يطمح العلماء إلى استخدام العوازل الطوبولوجية في صناعة أجهزة الحاسوب عالية الأداء (غيتي إيميجز-أرشيف)

المهندس أمجد قاسم*

هي واحدة من أكثر الظواهر الفيزيائية التي حيرت الباحثين، فسلوك بعض المواد الكهربائي غريب وفريد من نوعه، فحسب ما توصل إليه عدد من الفيزيائيين، فإن بعض المواد تكون قادرة على التوصيل الكهربائي ضمن الطبقة الخارجية لها، لكنها تكون عازلة في الداخل، وهي ما عرفت بالعوازل الطوبولوجية.

هذه الميزة الغريبة لاحظها الفيزيائي الألماني "كلاوس فون كليتزينغ" في عام 1980 وقد أجرى تجاربه على صفيحة من السيلكون شبه الموصلة للتيار الكهربائي، وقد بردها إلى حدود الصفر المطلق كما سلط عليها مجالا مغناطيسيا، فوجد أن الإلكترونات تتجه نحو حافة الصفيحة وأن الإيصالية الكهربائية تعتمد على عدد المسارات التي تتخذها الإلكترونات، وهي تزداد بزيادة قوة المجال المغناطيسي المسلط عليها، إلا أن هذا الاكتشاف الهام لم يجد له تطبيقا عمليا، حيث كانت درجة الحرارة المنخفضة جدا، والمجال المغناطيسي القوي، الواجب توفرهما، يقفان عائقا أمام الاستفادة من هذا الاكتشاف.

لقد ازداد الاهتمام العالمي بهذه النوعية من العوازل، ففي عام 2005 نشر نحو عشرة أبحاث علمية في شتى أنحاء العالم حول هذه العوازل، وقد ازداد عدد تلك الأبحاث المنشورة ليصل في عام 2010 إلى نحو 280 بحثا علميا، وفي عام 2011 ارتفع الرقم إلى 460 بحثا، أما في عام 2012 فقد قفز عدد الأبحاث إلى نحو 650 بحثا، والتي تناولت طبيعة تلك العوازل وأهميتها وتطبيقاتها في مجال تصنيع الأجهزة الإلكترونية وفيزياء الكم.

وقد سعى كثير من الباحثين إلى إنتاج العوازل الطوبولوجية باستخدام أغشية رقيقة للغاية، كما تم تطوير بعض المركبات الكيمائية التي تمتلك خصائص كهربائية تؤهلها لأن تكون من ضمن هذه النوعية من العوازل، بيد أن التجارب بينت وجود درجة من التوصيل الكهربائي في داخلها.

التقدم الحقيقي في إنتاج العوازل الطوبولوجية حدث في عام 2012 عندما توصلت عدة دراسات إلى أن مركب سداسي بوريد الساماريوم يمتلك صفات كهربائية قد تؤهله لأن يكون عازلا طوبولوجيا

التقدم الحقيقي
إلا أن التقدم الحقيقي في إنتاج العوازل الطوبولوجية حدث في عام 2012 عندما توصلت عدة دراسات إلى أن مركب سداسي بوريد الساماريوم (SmB6) يمتلك صفات كهربائية قد تؤهله لأن يكون عازلا طوبولوجيا، حيث لاحظ الباحثون في جامعة كاليفورنيا حركة سريعة للإلكترونات على سطح بلورات سداسي بوريد الساماريوم.

ويعود اكتشاف الخصائص الكهربائية لهذا المركب إلى عام 1969، إذ تبين للباحثين في مختبرات "بيل" في ولاية نيوجيرسي الأميركية، أن مركب سداسي بوريد الساماريوم يمكن أن يصبح موصلا للكهرباء عندما يتم تخفيض درجة حرارته بشكل كبير، إلا أن الاهتمام بدراسته كعازل طوبولوجي يعود إلى عام 2010.

يقول الباحث "شوتشنغ جانج" من جامعة ستانفورد بكاليفورنيا "إن مادة سداسي بوريد الساماريوم مفيدة لتكوين خواص كمية شاذة، كأحادية القطب المغناطيسي وأشباه الجسيمات الأولية، وهذا سيكون له أهمية في مجال الحوسبة الكمية، وإن اهتمام الفيزيائيين راجع إلى رغبتهم في دراسة إلكترونات المواد التي تستطيع أن تتفاعل فيما بينها بقوة".

يذكر أن عددا من الباحثين من جامعة ميريلاند في كوليج بارك قد استطاعوا تتبع مسارات الإلكترونات على بلورات سداسي بوريد الساماريوم عند تبريدها إلى أقل من 30 درجة كلفن، حيث لوحظ أنها تصبح عازلة من الداخل، كما توصل علماء من جامعتي ميتشيغان وكاليفورنيا إلى وجود توصيل سطحي لهذه البلورات بالرغم من الشوائب والعيوب الموجودة، ويُعرب الاستاذ "بيرز كولمان" من جامعة نيوجرسي عن سعادته بقوله "لقد تم إنصافنا، إننا في غاية السعادة لهذه النتائج الجديدة التي تم التوصل إليها".

هذا ويتوقع المهتمون بهذه العوازل، أن يكون لها تطبيقات في مجالات متعددة، كصناعة أجهزة الحاسوب عالية الأداء وذات معالجات أنشط وموفرة للطاقة بسبب أن الإلكترونات تسلك مسارات محددة في تلك العوازل مما يقلل من الحرارة المنبعثة منها.

إن العوازل الطوبولوجية التي لا تسمح للإلكترونات بالتدفق بحرية إلا عند سطحها -وهذا يختلف تماما عن الموصلات التقليدية- تُقدم للباحثين فرصة ثمينة لفهم فيزياء المواد المُكثفة والتي يتوقع أن يزداد الاهتمام بها عالميا، لاستغلالها في كثير من التطبيقات الهامة.

 _______________
* كاتب علمي متخصص في هندسة تكنولوجيا الصناعات الكيميائية

المصدر : الجزيرة