نجح العلم والعلماء خلال السنوات الماضية في تحقيق قفزات وطفرات علمية وتقنية هائلة، أثمرت في مجملها عن اختصار المسافة والزمن بين الأفراد، وعن توفير الجهد وزيادة رفاهية الإنسان، وغير ذلك من النتائج المشهودة والمحمودة التي نعاصرها حاليا. ولننظر مثلا إلى الحاسوب والإنترنت والهواتف الخلوية وتطبيقاتها المتعددة، وكيف أصبحت ركنا أساسيا في حياتنا اليومية، وكيف أصبح استخدامها يتداخل بفاعلية في كل شيء من حولنا، وهذا إلى الحد الذي لا يستطيع أحد منا اليوم الاستغناء عنها أو هجرها ولو لفترة.

وإجمالا يمكن القول إن السمة الأساسية التي تشترك فيها معظم الابتكارات والمنتجات العلمية الحديثة، هي اعتمادها على التقنية الرقمية واستخدام الشرائح والبرمجيات التي أتاحت لنا بدورها التحكم في هذه الابتكارات من بعد، ومن دون مد أسلاك أو بذل جهد. وعلى هذا النحو يسير العلم والعلماء -بتوجه وثبات- نحو تحويل كل شيء من حولنا إلى قيمة رقمية، وتحويل كل ابتكار علمي جديد إلى منتج لاسلكي من دون توصيلات.

واستمرارا لهذا النهج، نجحت جهود بعض العلماء النابهين في نقل الطاقة الكهربائية لاسلكياً من مصدر قدرة إلى حمل كهربائي من دون وجود أسلاك موصلة، وإنتاج ما يعرف باسم الكهرباء اللاسلكية، وهو ما يفتح آفاقا كبيرة لأكثر من فائدة وتطبيق جديد، ليس أقلها استقبال واستخدام الكهرباء بدون أسلاك أو بطاريات وبنفس الطريقة التي نستقبل بها شبكة واي-فاي الخاصة بالاتصال بالإنترنت.

سبق للعالم الشهير نيكولا تسلا تصميم وإنشاء برج كهربائي في مدينة نيويورك عام 1905 بغية نقل الكهرباء بدون أسلاك عبر الهواء، بيد أن محاولاته تلك باءت بالفشل
فكرة العمل والتطبيق
يعتمد توليد الكهرباء اللاسلكية في الأساس على خاصية أو ظاهرة علمية قديمة ومعروفة تعرف باسم الرنين أو الصدى الكهرومغناطيسي، ويقصد بها استجابة مادة ما لتردد معين بحيث إنها تهتز أو تتصرف بنفس النمط أو الشكل استجابة لذلك التردد.

وتبعا لقانون أمبير فإنه عند مرور التيار الكهربائي بأحد الأسلاك يتولد مجال مغناطيسي خاص حول هذا السلك، وإذا ما تم لف السلك المعدني وعمل ملف دائري ستكبر قيمة المجال المتولدة وتتضاعف بشكل طردي بالتناسب مع سمك السلك وعدد لفات الملف. وإذا ما تم وضع ملف آخر في دائرة وجود المجال الكهرومغناطيسي فسينشأ تيار كهربائي مستحث في الملف الجديد.

واعتمادا على هذه المبادئ، وعلى ما يعرف باسم "الحث المغناطيسي المزدوج"، فإنه يمكن نقل الكهرباء لاسلكيا عن طريق خلق مجال مغناطيسي مستحث باستخدام ملف ابتدائي باعث ومخصص لهذا الغرض. كما يمكن استقبال هذا المجال باستخدام ملف آخر مستقبل (ثانوي)، وإعادة تحويل هذا المجال إلى طاقة كهربائية من دون الحاجة لأية توصيلات أو مد أسلاك. وهذه هي الفكرة المطبقة حاليا في عمل فرشاة الأسنان الكهربائية، وبعض أجهزة الشحن الأخرى التي يلزم وجود قاعدة لشحنها.

لكن باحثي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بقيادة الدكتور الفيزيائي مارين سلوغازيتش تمكنوا من تطوير هذه الفكرة ونجحوا في نقل الطاقة الكهربائية بطريقة فعالة وآمنة لعدة أمتار ولمسافة أكبر بكثير من مدى الأجهزة السابقة التي تعمل بخاصية الحث المغناطيسي، وذلك من خلال توجيه المجال المغناطيسي المستحث بشكل محدد وتزويده برنين وتردد معين وثابت، يمكن إعادة استقباله بواسطة ملف ثانوي آخر مثبت بالجهاز الكهربائي.

وقد نجحت هذه الجهود في النهاية، بل وتم التوسع فيها إلى حد تأسيس أكثر من شركة خاصة بأبحاث نقل الطاقة الكهربائية لاسلكيا، ولعل أبرزها شركة "واي ترسيتي" بولاية ماساتشوستس، والتي نجحت بالفعل بقيادة مؤسسها الدكتور سلوغازيتش في إنتاج بعض أنظمة الشحن اللاسلكي للهواتف النقالة والحواسيب المحمولة، وغيرها من التطبيقات الفريدة والجديدة.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن فكرة الكهرباء اللاسلكية ليست جديدة تماما في الواقع، إذ سبق للعالم الشهير نيكولا تسلا تصميم وإنشاء برج كهربائي في مدينة نيويورك عام 1905 بغية نقل الكهرباء بدون أسلاك عبر الهواء، طامحا في ذلك إلى التوسع في استخدام الكهرباء اللاسلكية عبر العالم، بيد أن محاولاته تلك فشلت في النهاية. لكن هذا الجهد لم يذهب هباءً على أية حال، إذ بنى عليه خبراء معهد ماستشوستش وتمكنوا في النهاية من تحقيق الفكرة على أرض الواقع.

نجاح التقنية يعني أن شحن السيارات الكهربائية مستقبلا لن يحتاج إلى أسلاك (أسوشيتد برس)
آفاق ومزايا الاستخدام
تتعدد آفاق استخدام تقنية الكهرباء اللاسلكية وتتنوع على نحو كبير ولا يمكن حصره في الواقع، لكن يمكن مع ذلك إعطاء أكثر من مثال عن المزايا والفوائد المرجوة من وراء هذه التقنية الجديدة. وبداية فإنه لا جدال في أن انتشار الكهرباء اللاسلكية سينهي الحاجة إلى مد الأسلاك الكهربائية واستخدام البطاريات غير القابلة للشحن، وإلى إنفاق ملايين الدولارات اللازمة لمد الأسلاك وعمل التوصيلات السلكية وبقية التجهيزات.

كما ينتظر أن يؤدي انتشار الكهرباء اللاسلكية إلى ثورة في نمط استخدام الأجهزة المنزلية وتجهيزات الأبنية الحكومية ومنازل المستقبل، ذلك أن استعمال الكهرباء في تلك الأبنية سيكون مشابهاً لاستعمال الإنترنت اللاسلكية المستخدمة حاليا في منازلنا، بحيث إنه سيمكن شحن هواتفنا الذكية وهي في جيوبنا، كما سيمكن تشغيل التلفاز وبقية الأجهزة المنزلية من دون أي توصيلات كهربائية.

من جهة أخرى يتوقع أن يؤدي انتشار تقنية الكهرباء اللاسلكية إلى دعم وانتشار صناعات ومنتجات أخرى عديدة مقترنة باستهلاك الطاقة، مثل صناعة السيارات والمركبات الهجينة الجديدة التي تعمل بواسطة الكهرباء من خلال توصيلها بمقابس خاصة وشحن بطارياتها بصفة دورية. ذلك أنه يمكن الاستعاضة عن كل هذا من خلال تزويد مرائب ومحطات توقف هذه المركبات بمصدر طاقة كهربائية لاسلكية، بما يمكن معه شحن بطارياتها بطريقة ذاتية بمجرد الدخول إلى المرأب.

كما يتوقع أن يتحسن أداء وقدرة الروبوتات الصناعية والمعدات المتحركة مثل أجهزة الحفر المستخدمة في المناجم والاستكشاف البحري وغيرها من المعدات الميكانيكة التي يصعب إمدادها بالأسلاك.

وفي المجال الطبي، يمكن أن تساعد الكهرباء اللاسلكية على رفع جودة الخدمة الطبية المقدمة وتقليل احتمالات التلوث وتحسين أداء الأجهزة الطبية، مثل جهاز تنظيم ضربات القلب، وزيادة قدرة المرضى وذوي الإعاقة على استخدام الأجهزة التعويضية والأطراف الصناعية المعتمدة على استخدام البطاريات القابلة للشحن.

ولا يمكن كذلك نسيان فضل الكهرباء اللاسلكية المنظور على حالة البيئة، من خلال تقليل نسبة التلوث وهدر الطاقة والترتيبات اللازمة للتخلص من البطاريات والنفايات الإلكترونية، حيث يشار في هذا إلى أن هناك أكثر من 40 مليار بطارية غير قابلة للشحن يتم التخلص منها سنويا.

هناك بعض الشكوك في وجود مخاطر صحية لهذه التقنية بسبب انتشار الحقول المغناطيسية وتعرض الأشخاص لمعدلات مرتفعة منها

مصاعب وتحديات على الطريق
في مقابل المزايا السابقة، تجابه تقنية الكهرباء اللاسلكية في المرحلة الحالية -شأنها شأن أي منتج أو مستحدث علمي جديد- بعض الصعوبات والتحديات التي يمكن أن يؤدي استمرارها من دون حل إلى الحد من آفاق استخدامها ومعدلات انتشارها.

وبداية هناك بعض الشكوك في وجود مخاطر صحية لهذه التقنية، وذلك بسبب انتشار الحقول المغناطيسية وتعرض الأشخاص لمعدلات مرتفعة منها. لكن الخبراء المعنيين يؤكدون على عدم صحة هذه الشكوك، استنادا إلى عدم وجود أي ضرر من الموجات الكهرومغناطيسية، وإلى تماثل طبيعة هذه الموجات والترددات الموجهة بها مع نوعية الموجات الصادرة من أجهزة بث الإنترنت (الرواتر) التي تبث موجات الواي فاي.

كما أن من التحديات التي تواجهه التقنية الجديدة، ضعف المدى والحيز الناقل للطاقة الكهربائية، حيث يتناسب ذلك طردياً مع حجم الملف الكهربائي المثبت بالجهاز الكهربائي. لكن خبراء شركة "واي تريسيتي" يعملون حاليا على حل هذه المعضلة، من خلال محاولة إنتاج بطاريات جديدة بحجم AA يمكن شحنها لاسلكياً، وتعمل بدورها على زيادة المجال الذي يغطيه الملف الإلكتروني.

ومن هذه التحديات، ضعف كفاءة التقنية الحالية بالنسبة لقدرة وقوة الطاقة الكهربائية المنقولة، حيث إنها لا تتعدى حاليا بضعة عشر واط فقط، لكن خبراء شركة "واي تريسيتي" يعملون أيضا على هذا، ويؤكدون قرب التوصل إلى تقنية جديدة للكهرباء اللاسلكية قادرة على بث آلاف الكيلوواط.

وبالطبع فإن كفاءة وجودة الكهرباء اللاسلكية في المرحلة الحالية لا يمكن مقارنتها بكفاءة الكهرباء المنقولة بواسطة الأسلاك، لكن هذه مجرد بداية، وكم من مخترعات حديثة بدأت في الأصل متواضعة وضئيلة، لكنها سرعان ما احتلت موقع الصدارة من خلال العمل الجاد ومحاولات التطوير والتحديث. ونحسب أن هذا سينطبق على تقنية الكهرباء اللاسلكية، ولننظر في هذا مثلا إلى أجهزة الهاتف النقال، كيف كانت وكيف أصبحت!
____________
باحث علمي مصري، حاصل على الدكتوراة في الدراسات البيئية والاستشعار عن بعد.

المصدر : الجزيرة