روبرت أتكنسون/ بن ميلر-واشنطن

عندما تطلق شرارة أحد أكبر الاحتجاجات في شرق أوروبا منذ سقوط الشيوعية، فأنت تدرك أنك قد أغضبت الناخبين، وهذا بالضبط ما فعلته الحكومة المجرية عندما اقترحت مؤخرا "ضريبة إنترنت" تبلغ نصف يورو (0.619 دولار) للغيغابايت، والتي دفعت أكثر من مائة ألف شخص إلى التظاهر في بودابست وهم يشعرون بالغضب الشديد بسبب الرمزية السياسية للضريبة وتأثيرها الاقتصادي الحقيقي، وإثر تلك الاحتجاجات اضطرت حكومة رئيس الوزراء فيكتور أوربان للتراجع.

لقد كانت الضريبة المقترحة في المجر سخيفة حيث تشبه فرض الرسوم على قراءة الكتب أو المحادثات بين الأصدقاء، ولكن الاقتراح الذي لمح أوربان إلى احتمال إعادته بشكل آخر، ما زال يثير القلق لأنه جزء من توجه مزعج.

إن عددا كبيرا من البلدان أدخلت ضرائب ورسوما تعيق تبني واستخدام تقنية المعلومات والاتصالات، فما مجموعه 31 بلدا -بما فيها تركيا والبرازيل واليونان- أضافت 5% أو أكثر على تكلفة تقنية المعلومات والاتصالات، بالإضافة إلى ضرائب القيمة المضافة الاعتيادية.

أما في المجر فإن الضريبة المقترحة كانت لتكون مرهقة على وجه الخصوص لأنها كانت سترفع تكلفة الإنترنت على الهاتف النقال بنسبة 5 إلى 15%، وكان سيكون لها تأثير أكبر على اشتراكات النطاق العريض الثابت، وبالنسبة للأغنياء والفقراء كان ذلك سيكون عبئا كبيرا.

إن تحديد سقف يبلغ 2.3 يورو لكل شخص هو المقترح الذي تم تقديمه على عجل بعد الغضب الشعبي في البداية وقبل سحب الضريبة. وهذا المبلغ كان سيكون له أثر محدود في تخفيف العبء عن مستخدمي الإنترنت من محدودي الدخل، بينما كان سيقلل بشكل كبير الدخل الإجمالي للبرنامج.

وكما أظهرت الاحتجاجات في بودابست، فإن الضريبة المقترحة ضريبة خاطئة بالنسبة للمجر ولغيرها من البلدان. إن الحكومات التي تعاني من نقص الأموال تتبنى هذه الضرائب نظرا لأن البضائع والخدمات الخاصة بتقنية المعلومات والاتصالات هدف سهل بالنسبة لسلطات الإيرادات، كما أنه في بعض الأحيان يتم تصنيفها بشكل خاطئ على أنها بضائع فاخرة، وكأن الإنترنت ليس حيويا بالنسبة لحياة البشر.

إن هذه السياسات في نهاية المطاف سياسات ضارة، فارتفاع الأسعار الناتج عن تلك السياسات يعيق تبني واستخدام تقنية المعلومات والاتصالات، مما يقلل من إيرادات الضرائب على شراء البضائع والخدمات. كما أن الأدلة تظهر تأثيرا أكبر غير مباشر، وهو أن هذا التقييد يعيق النمو، وهذا في نهاية المطاف له تأثير سلبي على الإيرادات الضريبية، مما يؤدي إلى خسارة أي مكاسب من رسوم استخدام الإنترنت.

وقد وجدت إحدى الدراسات أنه مقابل كل دولار من الرسوم التي فرضتها الهند على منتجات تقنية المعلومات والاتصالات المستوردة تعرضت الدولة لخسارة اقتصادية بمقدار 1.3 دولار أميركي من الإنتاجيه الأقل.

فرض الضرائب على تقنية المعلومات والاتصالات يعادل في عصرنا هذا أكل الشخص للقمح الذي كان يدخره للزراعة في العام القادم

تأثير عكسي
فرض الضرائب على تقنية المعلومات والاتصالات يعادل في عصرنا هذا أكل الشخص للقمح الذي كان يدخره للزراعة في العام القادم، وتبني هذه التقنية يحرك التغيير التقني الأساسي الذي يمكن أن يؤدي إلى إحداث تحول في مجموعة واسعة من الصناعات، فضلا عن حياة البشر. وبالنسبة لقطاع الأعمال، يمكن لهذه التقنية تحسين الفعالية وتسهيل التنسيق، أما بالنسبة للأفراد فيمكنها تعزيز الدخل وجعل الحياة اليومية أسهل بكثير.

تنمو فوائد بضائع وخدمات تقنية المعلومات والاتصالات بشكل كبير، بينما تقوم أعداد أكبر من المستهلكين والشركات بالبدء باستخدامها. والسياسات الحكومية الذكية -مثل الدعم أو الإعفاء الضريبي بالنسبة لمشتريات تقنية المعلومات- تعزز تبني تلك البضائع والخدمات، وذلك بمساعدة أولئك المستخدمين الذين لم يكن بإمكانهم تحمل تكلفة تلك المشتريات لولا تلك المساعدة. وعليه فإن فرض ضرائب ورسوم على الإنترنت كغيرها من الضرائب والرسوم على بضائع وخدمات تقنية الاتصالات والمعلومات، له تأثير عكسي.

لقد كانت الضريبة المجرية المقترحة ضارة على وجه الخصوص بسبب التصميم السيئ، فنظرا لأن الضريبة كانت نصف يورو عن كل غيغابايت فإن مساهمتها في الإنفاق الإجمالي على تقنية المعلومات سترتفع، بينما تنخفض قيمة الغيغابايت وهي من الأمور شبه المضمونة.

ووضع سقف معين لتلك الضريبة سيمنع ارتفاع السعر، ولكن ارتفاع عرض النطاق الترددي يعني أن معظم المستخدمين سيستنفذون رصيدهم بسرعة، مما يؤثر ليس فقط على المستهلكين الأفقر، ولكن أيضا على المصالح التجارية الجديدة أو الصغيرة. ومن هنا فإن إبقاء الفقراء ورواد الأعمال بعيدا عن الإنترنت ليس الطريقة المثالية لتمويل الحكومة.

ستكون الدول في وضع أفضل مع سياسات تروج لتقنية المعلومات والاتصالات بإزالة الضرائب والرسوم عن منتجات وخدمات هذه التقنية وإزالة العوائق غير المتعلقة بالرسوم، مثل المتطلب الخاص بتخزين البيانات المحلية، وتشجيع الابتكار الرقمي، وتحويل القطاعات الاقتصادية من خلال إصلاحات تتعلق بالتنظيم والمشتريات. إن ما ينتج عن ذلك من إنتاجية وتنافسية ونمو اقتصادي سيساعد على وضع أساس أكثر استقرارا ونجاحا لزيادة العائدات الضريبية.

وقد أحسن الاتحاد الأوروبي بشكل عام حين حافظ على الضرائب والرسوم المنخفضة على تقنية المعلومات والاتصالات رغم المصاعب المالية الكبيرة في العديد من بلدانه. إن النظام الضريبي بشكل عام وغير القائم على التمييز كان بمثابة نعمة مهمة لتبني تقنية المعلومات والاتصالات، علما بأن مفوض الاتحاد للأجندة الرقمية تكلم بقوة ضد الضريبة المجرية المقترحة ووصفها بالفكرة السيئة. إن الدولة الوحيدة في الاتحاد التي تفرض ضرائب كبيرة على منتجات وخدمات التقنية (حوالي 9%) هي اليونان، علما بأن ذلك يشكل حالة خاصة في أوروبا.

إن الأفعال الأخيرة لصناع السياسة في المجر تظهر أنه لا يوجد بلد محصن من الأفكار السيئة المتعلقة بالسياسات. والحكومات بحاجة إلى الإيرادات، ولكن كيفية جمعها تشكل اقتصادات البلدان عبر تشجيع بعض التعاملات وعدم تشجيع تعاملات أخرى.

إن السياسات التي تشجع تبني تقنية المعلومات والاتصالات هي الاختيار الصحيح للنمو الاقتصادي الشامل على المدى الطويل، وكما أظهرت قضية المجر فإنه في نهاية المطاف يتوجب على المواطنين مساءلة الحكومات والتحقق من أن السياسات المتعلقة بالضرائب والرسوم تعمل لما فيه فائدة الجميع.
______________
** روبرت أتكنسون مؤسس ورئيس مؤسسة تقنية المعلومات والابتكار.
** بن ميلر محلل سياسات بالمؤسسة.

المصدر : بروجيكت سينديكيت