د. محمد قاسم*

"تستند أبل لفلسفة ولن ترضخ لأهواء الناس".
"على أبل أن تستمع لما يطلبه الجمهور".

هاتان جملتان ينتهي إليهما نقاش طويل دار بيني وبين صديقي تحدثنا خلاله عن المقارنة بين أبل ونظام التشغيل الخاص بأجهزتها والأجهزة الذكية الأخرى القائمة على نظام أندرويد.

الجملة الأولى هي لصديقي المقتنع تماما أن ما تفعله أبل هو نتاج فلسفة فوقية تتعدى مطالب البشر العاديين، والجملة الثانية هي لي حيث إنني أؤكد أن أبل تحتاج إلى أن تستمع لمطالب الناس، وإلا ستسحقها الشركات الأخرى.

من منا لا يعرف أن ستيف جوبز كان مصرا على أن تبقى شاشة الآيفون على الحجم الصغير الذي بدأت به قبل سنوات، والسبب في الإصرار يعود إلى أن الشاشة الكبيرة لا تسمح لإبهام اليد الممسكة بالهاتف الوصول إلى جميع محتوياته، ومراعاة للمستخدم الذي يود أن يمسك الآيفون بيد ويطلق الأخرى لاستخدامها، بقي الآيفون قزما حتى ظهر الآيفون5 بعد وفاة ستيف جوبز، وانكسرت القاعدة العامة لحجم الهاتف على استحياء.

وحينما كانت أبل تصر على الاستثمار في هاتفها الذكي بحجمه الصغير، كانت الشركات الأخرى تستكشف هواتف مختلفة بشاشات كبيرة بدت في حينها وكأنها غير معقولة، فمن يرى حامل جهاز سامسونغ غالاكسي نوت وهو يستخدمه للاتصال لم يرَ سوى نصف وجهه، واضطر لكبت تعابير الاستغراب.

وبالتأكيد فإن من يمسكه لاستخدامه بيد واحدة لن يتمكن من الوصول إلى جميع أنحائه باستخدام الإبهام، ولكن هذا العيب لم يمنع الناس من شراء الهواتف الذكية الكبيرة عاما بعد عام بشراهة.

لماذا كان الناس يشترون الهواتف الذكية كبيرة الحجم رغم أن استخدامها غالبا ما يحتاج إلى يدين؟ لكي نفهم الإجابة على السؤال لا بد للرجوع لفلسفة أبل الأولى التي جعلت من الهاتف الذكي مدخلا رئيسيا للإنترنت بعد أن كانت الحواسيب الشخصية والمحمولة هي المستحوذة على تلك القناة، لذلك فإن من الطبيعي أن يكون الجهاز الأفضل للتصفح ذلك الذي يقدم مساحة أكبر للقراءة.

الشاشة الكبيرة تمنح مزايا متعددة للمستخدم
لا يجدها في هاتف صغير الحجم 
(أسوشيتد برس)

عائق الحجم
أضف لذلك أن الهاتف الذكي أصبح هو الجهاز الرئيسي لاستهلاك الوسائط المرئية المتعددة مثل لقطات يوتيوب والأفلام، وهذه أيضا من نتائج فلسفة أبل منذ ولادة الآيفون الأول، ولكن بقاء الهاتف الذكي على حجمه الصغير يحد من الاستمتاع بهذه الخاصية.

كما حولت أبل الهاتف الذكي إلى جهاز لعب، ووجود شاشة كبيرة يفسح المجال لمنتجي الألعاب لتكثيف مكونات اللعبة على الشاشة، حتى يستمتع بها المستخدم بدرجة أكبر.

ولا ننسى أيضا أن الشاشة الكبيرة تسهل الكتابة باستخدام لوحة المفاتيح الناعمة، فمن يستخدم الأجهزة الصغيرة يعلم شبه استحالة كتابة فقرة واحدة من غير أخطاء، بينما مع الشاشة الكبيرة ينخفض حجم الأخطاء.

وتحتاج خاصية استخدام الهاتف للوسائط المرئية أو الكتابة أو القراءة أو غيرها من الأمور شاشات أكبر عادة ما تكون متوفرة في الأجهزة اللوحية الأكبر حجما، مثل الآيباد أو السامسونغ غالاكسي تاب، ولكن حتى إن اقتنينا مثل هذه الأجهزة فإننا لن نحملها معنا حيثما نذهب.

ولهذا السبب أنتجت الكثير من الشركات هواتف تتوسط الهواتف الذكية الصغيرة والأجهزة اللوحية، وأُطلق عليها اسم "فابلت" وهي كلمة تدمج ما بين "فون" و"تابلت"، وتعوض الفابلت النقص الذي يشعر به مستخدمو الصنفين من الأجهزة.

وعلى مصممي الهواتف النظر أيضا إلى الجانب العاطفي في استخدام الهاتف كما نظروا إلى الجانب العملي، حيث بينت دراسة من جامعة "بن ستيت" أنه حينما يستخدم الناس الشاشة الكبيرة فإن تجربتهم الشخصية تصبح مُشبِعة عاطفيا بالمقارنة مع استخدام الأجهزة ذات الشاشات الصغيرة، بل إن الأسباب العاطفية تدفع الناس لشراء الهواتف الأكبر حجما أكثر من الدوافع العملية.

علينا أن لا نستخف بفلسفة أبل، وخصوصا أن فلسفتها في لغة تصميم الهاتف أحرجت جميع شركات الهواتف الأخرى، والنظام المتكامل (الإيكلوجي) لبرمجياتها لم يُخترق بعد من أي شركة منتجة للهواتف الذكية.

ولكن لا ننسى أيضا أن الناس ليسوا أغبياء، ولا هم بحاجة لمجموعة من المصممين في شركة واحدة لإجبار دفة اختياراتهم على نمط واحد من الأجهزة، فهم الرياح، وهم من يجعل سفن الشركات تجري بما لا تشتهي.

الناس طالبت، وألحت، وعلمت ما أرادت، فاستجابت أبل.

_______________

*أستاذ مساعد بكلية الدراسات التكنولوجية في الكويت

المصدر : الجزيرة