تطبيقات كشف الرقم تعتمد على بيانات جهات الاتصال في هاتف المستخدم (رويترز-أرشيف)

د.محمد أنس طويلة

في جلسة مع بعض الأصدقاء، عبّر أحدهم عن انزعاجه من مكالمات تأتيه على هاتفه الجوال من رقم لا يعرف صاحبه، ورغم محاولات هذا الصديق المتكررة لمعرفة صاحب هذا الرقم عبر سؤال الأهل والأصدقاء والبحث في سجلات الهاتف القديمة فإنه لم يصل إلى جواب يشفي به غليله. سارع هنا أحد الحاضرين بعرض خدماته، أو بالأحرى خدمات تطبيق قام بتحميله على هاتفه الجوال يدعى "ترو كولر" (True Caller)، وقال بثقة: لا تهتم، سأجد لك اسم هذا الشخص خلال ثوانٍ، ألم تسمع بهذا التطبيق؟ كل أصدقائي يستخدمونه على الدوام.

نظر صديقي إلى هذا التطبيق بنظرة لا تخلو من الشك وبدأ بإدخال الرقم الذي يبحث عن صاحبه، وبالفعل لم تستغرق عملية البحث أكثر من بضع ثوانٍ ليظهر على شاشة الهاتف اسم الشخص بل ومهنته أيضا.

لم يقتنع صديقي بما رأى، وتساءل مشككا: ولكن ما الذي يضمن لي بأن هذا الشخص هو فعلا صاحب هذا الرقم؟ أجابه صاحب التطبيق: صدقني، إنه صاحب الرقم الحقيقي، لقد استخدمت هذا التطبيق لشهور طويلة، ولم يخذلني أبدا. هات من عندك رقما لشخص تعرفه، أعطني رقم صديقك أو أخيك وستتأكد أن هذه المعلومات صحيحة. قال صديقي: حسنا، ابحث لي من فضلك عن صاحب الرقم التالي، وأملى عليه رقما يعرف صاحبه. قال صاحب التطبيق: ألم أقل لك إنني متأكد؟ هذا رقم منزل صديقنا فلان، انظر إلى اسمه على الشاشة. ذهل صديقي وبدت في عينيه نظرات الحيرة والتعجب: كيف يمكن لتطبيق بسيط كهذا أن يلم بأرقام هواتف أعداد هائلة من الناس من جميع أصقاع العالم؟

هنا سارع صاحب التطبيق لإقناع صديقي بمدى أهمية هذا التطبيق، وبدأ يسرد عليه ميزاته الأخرى كإمكانية حجب المكالمات من أشخاص محددين دون معرفة أرقام هواتفهم وما إلى ذلك. وقال له: يمكنك تحميل التطبيق بسهولة، إنه مجاني ولن يكلفك فلسا. ازدادت حيرة صديقي وتعجبه، فقد ذهل أساساً من قدرة هذا التطبيق على جمع هذا الكم الهائل من المعلومات، هل يعقل أيضا أن يكون مجانيا وبلا مقابل؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن الشركة التي طورت تطبيق "ترو كولر" (أو أي تطبيق آخر مماثل) قد تكبدت عناء تجميع أدلة الهاتف من معظم دول العالم وعملت على ترتيب الأسماء وأرقام الهواتف في هذه الأدلة لتصبح متاحة لجميع مستخدمي التطبيق، لكن الواقع أن مهمة كهذه شبه مستحيلة لأسباب عدة، منها الصعوبات الهائلة التي تعترض عملية تجميع أرقام هواتف مليارات الأشخاص حول العالم، وكذلك قوانين الخصوصية التي تختلف من دولة لأخرى من حيث القيود التي تفرضها على مشاركة واستخدام المعلومات الشخصية، إضافة إلى أن كثيرا من الدول لا تملك أساسا أدلة هاتف لمواطنيها.

بيت القصيد أن هذا التطبيق وأمثاله تستغل شعبيتها لبناء قاعدة بياناتها في ما يعرف بـ"التعاقد الجمعي" إذ يقوم التطبيق في كل مرة يتم فيها تحميله على هاتف مستخدم جديد بنسخ جميع الأسماء وأرقام الهواتف المخزنة في هاتف هذا المستخدم

والحقيقة أن هذه التطبيقات تسلك عادة الطريق الأسهل والذي يتمثل في استغلال نقطتين أساسيتين، هما الفائدة الكبيرة للخدمة البسيطة التي تقدمها، والشعبية التي ستحققها هذه التطبيقات بفضل هذه الفائدة، لكي تجمع أرقام الهواتف وأسماء أصحابها وتتيحها لجميع مستخدميها. إن نظرة سريعة على معلومات تطبيق "ترو كولر" في متجر تطبيقات أندرويد تشير إلى أن عدد مستخدميه يتراوح بين عشرة إلى خمسين مليونا (منهم ما يقارب 185 ألفا منحوا التطبيق تقييم خمس نجوم)، في حين لا يقدم متجر تطبيقات أبل معلومات عن عدد مرات تحميل التطبيق، إلا أنه دون شك واحد من أكثر تطبيقات الهواتف الذكية شعبية.

وبيت القصيد أن هذا التطبيق وأمثاله تستغل شعبيتها لبناء قاعدة بياناتها في ما يعرف بـ"التعاقد الجمعي"، إذ يقوم التطبيق في كل مرة يتم فيها تحميله على هاتف مستخدم جديد بنسخ جميع الأسماء وأرقام الهواتف المخزنة في هاتف هذا المستخدم وإرسالها إلى قاعدة البيانات المركزية للتطبيق لتصبح متاحة للآخرين، أما ما يحصل عليه المستخدم لقاء تبرعه بهذه المعلومات فهو استخدامه للخدمة التي يقدمها هذا التطبيق.

أثارت طبيعة هذه العملية حفيظة الكثيرين من أنصار الخصوصية وحماية المعلومات الشخصية، وهو ما دفع بعض شركات تطوير تطبيقات لإظهار رقم المتصل ومنها "ترو كولر" إلى تعديل أسلوب جمعها للمعلومات بحيث أصبح بإمكان المستخدم أن يختار فيما إذا أراد أن يرسل الأسماء والأرقام في هاتفه إلى قاعدة البيانات المركزية أم لا، لكن المشكلة أن الأغلبية العظمى من المستخدمين لا يكترثون أساسا بميزات الخصوصية المتاحة في التطبيقات التي يستخدمونها، وبالتالي فهم لا يقومون عادة بتغيير إعدادات التطبيق لكي لا ينسخ المعلومات المخزنة في هواتفهم.

لم ترق هذه القصة لصديقي الذي بدا معجبا بتطبيق "ترو كولر" وكان قد بدأ بالفعل بتحميله على هاتفه الجوال، فقلت له ما رأيك بتجربة ستثبت لك ذلك؟ ريثما ينتهي تحميل التطبيق على هاتفك، سنقوم بإدخال رقم هاتف وهمي في دليل هاتف صديقك، وسنستخدم اسما مضحكا مثل افتح يا سمسم. عندما انتهى تحميل التطبيق بحث صديقي فيه عن الرقم الوهمي، وذهل عندما رأى أن صاحبه هو بالفعل "افتح يا سمسم".

العبرة هنا أن تطبيقات إظهار رقم المتصل مفيدة فعلا، لكنها قد تشكل أيضا تهديدا للخصوصية، سواء من حيث إتاحة رقم هاتفك لأي كان، أو بسبب محاولتها نسخ معلومات أسماء وأرقام هواتف عائلتك وأصدقائك دون علمك.

لذلك ينبغي أن نستوعب كيفية عمل كل من هذه التطبيقات وأن ندرك احتمالات انتهاكها لخصوصيتنا، وذلك كي نتخذ قرار استخدامها عن وعي ودراية، ومن الضروري أيضا أن نطلع على كيفية حجب معلوماتنا عن مثل هذه التطبيقات وكيفية منعها من نسخ المعلومات التي نحتفظ بها في هواتفنا، وفي حال لم تتوافر هذه الإمكانية في تطبيق ما فالأسلم أن نتجنبه وأن نبحث عن بديل أفضل.

________________________
باحث أكاديمي وخبير في مجال أمن ونظم المعلومات

المصدر : الجزيرة