المشتريات ضمن التطبيقات تدر أرباحا طائلة على مطوريها (غيتي-أرشيف)

د. محمد أنس طويلة

ستقوم شركة أبل الأميركية بأمر من لجنة التجارة الاتحادية في الولايات المتحدة الأميركية بإعادة مدفوعات يبلغ مجموعها 32.5 مليون دولار لمشتريات قام بها أطفال أثناء استخدامهم تطبيقات مختلفة ضمن أجهزة أبل دون علم أو موافقة أهاليهم.

يثير هذا الخبر عدة تساؤلات بشأن آلية تصميم تطبيقات الهواتف الذكية وكيفية تحصيل المبالغ المالية ضمن هذه التطبيقات، والتي سمحت لطفلة في إحدى الحالات بصرف 2600 دولار في لعبة واحدة دون أن ينتبه والداها.

تبدأ القصة من بعض أساليب التسويق التي يتبعها منتجو تطبيقات الهواتف الذكية والحواسيب اللوحية، والتي يتيح المنتج فيها التطبيق الذي ينتجه مجانا من خلال متاجر التطبيقات كمتجري تطبيقات "آب ستور" و"غوغل بلاي".

يمكن عندئذ للمستخدم تحميل هذا التطبيق وتجربته دون أي كلفة، لكن الميزات التي يتيحها ستبقى محدودة ومصممة خصيصا لجذب المستخدم، وإما إقناعه بأهمية هذا التطبيق (كالتطبيقات التجارية والمهنية مثلا) أو إدمانه عليه (كالألعاب الفردية والجماعية مثلا).

ولن يتمكن المستخدم من استثمار كامل ميزات التطبيق (كتحميل أعداد إضافية من مجلة تجارية مثلا) أو الاستمرار في الاستخدام أو اللعب (كدخول مرحلة جديدة في لعبة ما أو الحصول على أدوات إضافية ضمن اللعبة) إلا بعد دفع مبالغ محددة لكل خدمة من هذه الخدمات. وتسمى هذه العملية "المشتريات ضمن التطبيقات" (In App Purchases)، وتعتبر وسيلة فعالة جدا لنشر التطبيقات الجديدة والحصول على مردود مادي منها.

ومن بين أشهر الألعاب التي تعتمد أسلوب المشتريات ضمن التطبيق لعبة "كاندي كراش ساغا" التي تفرض على لاعبها بعد استنفاده فرص اللعب الانتظار لمدة نصف ساعة قبل الحصول على فرصة جديدة، أو يمكنه شراء فرصة جديدة أو أكثر بكلفة تتراوح بين عشرة سنتات ودولار للفرصة الواحدة. تبلغ مبيعات لعبة كاندي كراش ساغا نحو633 ألف دولار يوميا، أي ما يعادل 230 مليون دولار في السنة الواحدة.

تعتبر المشتريات ضمن التطبيقات أيضا ميزة ممتازة من وجهة نظر المستخدم، لأنه لن يضطر إلى دفع أي مبالغ قبل التأكد من أن التطبيق المعني يلبي متطلباته، ولن يدفع إلا لقاء الخدمات التي يحتاج إليها (قد يرغب المستخدم مثلا في الحصول على مقال واحد من مجلة ما، ستمكنه هذه الطريقة من شراء هذا المقال بمفرده دون الحاجة إلى تكبد ثمن العدد بأكمله).

لكن عملية التبادل المادي هذه تعتبر عملية تجارية تحكمها القوانين التجارية التي تختلف من بلد إلى آخر. وعلى الرغم من هذه الاختلافات فإن جميع القوانين تقريبا تتطلب توافر الإيجاب والقبول كشرط أساسي من شروط عملية التبادل، أي أن على البائع (مطور التطبيق) أن يُعلم المشتري (مستخدم التطبيق) بأنه سيدخل في عملية تبادل تجاري ستتطلب تسديد مبلغ معين لقاء الحصول على خدمة محددة.

المشكلة التي لم يتنبه إليها هؤلاء هي أن معظم التطبيقات ستسمح لمستخدمها بالاستمرار في شراء خدمات إضافية أثناء 15 دقيقة تلي إدخال كلمة السر دون أن تطلب إذن الموافقة على الشراء مرة أخرى

كلمة السر
يقوم مطورو تطبيقات الهواتف الذكية بإدخال شرط الإيجاب والقبول في تطبيقاتهم من خلال طلب كلمة السر الخاصة بالمستخدم في كل مرة يصل فيها إلى عملية تتطلب تسديد مبلغ ما (تتراوح أسعار المشتريات ضمن التطبيقات عادة بين 99 سنتا ومائة دولار لكل عملية). فإذا ما أراد المستخدم شراء ثوب جديد لشخصية في لعبة ما فستطلب هذه اللعبة منه إدخال كلمة السر قبل أن يتم تنفيذ عملية الشراء.

كيف إذاً تمكن عشرات آلاف الأطفال من صرف هذه المبالغ الكبيرة دون أن يلحظها أهاليهم؟ قد يجهل بعض الآباء والأمهات أهمية هذه المسألة فتراهم يشاركون كلمة السر الخاصة بهم مع أطفالهم، ليستخدم الأطفال كلمة السر هذه في كل مرة يرغبون فيها بشراء ما يحلو لهم ضمن تطبيقات الهواتف والحواسيب اللوحية، لكن القانون لا يقف إلى جانب هؤلاء لأنهم وقعوا ضحية إهمالهم ويتوجب عليهم تحمل تبعات هذا الإهمال.

في المقابل، قد يحرص الأهل على إخفاء كلمة السر عن أبنائهم لمعرفتهم بما قد ينتج عن سوء استخدامها، وبالتالي سيفرضون على أبنائهم أن يأتوا إليهم في كل مرة يريدون فيها شراء شيء ما لكي يقوم أحد الوالدين بإدخال كلمة السر والموافقة على العملية، لكن المشكلة التي لم يتنبه إليه هؤلاء هي أن معظم التطبيقات ستسمح لمستخدمها بالاستمرار في شراء خدمات إضافية أثناء 15 دقيقة تلي إدخال كلمة السر دون أن تطلب إذن الموافقة على الشراء مرة أخرى، أي أن الوالد قد يوافق على صرف مبلغ ما ضمن التطبيق، وسيقوم لذلك بإدخال كلمة السر كإشعار بهذه الموافقة، دون أن يعلم أنه بذلك يمنح ابنته 15 دقيقة لتصرف فيها ما ترغب فيه دون أن تحتاج إلى موافقته.

ولمعالجة هذه المشكلة، منحت لجنة التجارة الاتحادية شركة أبل فرصة تنتهي بنهاية شهر مارس/آذار هذا العام لكي تعيد تصميم آلية تحصيل المبالغ المادية ضمن التطبيقات بحيث تضمن الحصول على الموافقة الصريحة للمستخدم على جميع مشترياته قبل تحصيلها. أما بالنسبة للأطفال القاصرين فيجب أن تضمن الآلية الجديدة الحصول على موافقة أولياء أمورهم قبل التحصيل، لكن التطبيق الفعلي للآلية الجديدة قد يستغرق بعض الوقت.

يذكر أن حجم مشتريات الأطفال ضمن التطبيقات المتاحة عبر متجر تطبيقات أبل -حسب دراسة لشركة ديستيمو- يعادل 44% من حجم المشتريات الكلي، كما تبلغ نسبة عوائد المشتريات ضمن التطبيقات 76% من العوائد الكلية لمتجر تطبيقات أبل.
________________________
* باحث أكاديمي وخبير بمجال أمن ونظم المعلومات

المصدر : الجزيرة