صناعة الهيليوم المنكمشة
آخر تحديث: 2013/8/20 الساعة 11:59 (مكة المكرمة) الموافق 1434/10/14 هـ
اغلاق
خبر عاجل :رويترز: بوتين يقول إن روسيا ستحتفظ بقاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية في سوريا
آخر تحديث: 2013/8/20 الساعة 11:59 (مكة المكرمة) الموافق 1434/10/14 هـ

صناعة الهيليوم المنكمشة

الهيليوم يدخل في صناعة صواريخ الفضاء (الأوروبية)

ريتشارد كلارك*

إن الهيليوم عنصر بالغ الأهمية في عالم اليوم القائم على التكنولوجيا، فهو يستخدم في التبريد الدقيق للملفات الفائقة التوصيل في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، وأيضا السيليكون المستخدم في تصنيع الرقائق الإلكترونية لأجهزة مثل الهواتف الذكية أو الزجاج المسحوب داخل الألياف البصرية.

ولا يوجد للهيليوم بديل واقعي في صواريخ الضغط، والآليات الضخمة، بل وحتى بالونات الاحتفالات. وحتى وقت قريب كان المدد الوفير ظاهريا من الهيليوم يستخرج فقط كناتج ثانوي لإنتاج الغاز الطبيعي في نحو عشرين فقط من الحقول الغنية بالهيليوم.

ولكن النقص في الإنتاج العالمي من الهيليوم كان سببا في دفع التضخم في أسعار الهليوم إلى الارتفاع بشكل حاد وتغذية القلق في الأوساط العلمية. والآن بدأ المنقبون في الولايات المتحدة -الدولة الأكثر تصديرا للهيليوم على مستوى العالم- في استكشاف الحقول بحثا عن الهيليوم على وجه الحصر.

ومن المحتم أن يحفز نقص الهيليوم المناقشة بشأن ممارسات الإنتاج والحفاظ على المنتج. فمنذ صدور قانون خصخصة الهيليوم في الولايات المتحدة عام 1996، والذي ألزم الحكومة ببيع احتياطياتها من الهيليوم باستخدام صيغة سعرية جامدة من أجل سداد الديون المتراكمة الناجمة عن عمليات شراء الهيليوم الكبيرة في ستينيات القرن العشرين، تكرر مثل هذا العجز ثلاث مرات.

خصخصة
ولأن قانون خصخصة الهيليوم يقضي بوقف بيع الهليوم بمجرد سداد الديون، أي في شهر أكتوبر/تشرين الثاني من هذا العام، فإن الدوائر العلمية والطبية والتكنولوجية أصبحت قلقة على نحو متزايد إزاء نقص الهيليوم الشديد وارتفاع التكاليف إلى عنان السماء. وربما ساهم هذا، إلى جانب حقيقة مفادها أن الهيليوم يدعم الكثير من الوظائف في الولايات المتحدة، في الجهود التي يبذلها الكونغرس الأميركي مؤخرا للإبقاء على ثلث الإنتاج العالمي من الهيليوم متدفقا، ولكن بأسعار أعلى.

بالون اختبار يستعمل الهيليوم (الأوروبية)

وتأتي هذه الخطوة في الوقت المناسب، لأن التخلص المفوض من هذا الكم الضخم من الاحتياطي الفدرالي من الهيليوم في الولايات المتحدة على مدى الأعوام الخمسة عشر الماضية أدى إلى نزوح العديد من منتجي الهيليوم في الغرب الأوسط الأميركي وتأجيل المشاريع في أماكن أخرى.

والواقع أن قانون خصخصة الهيليوم تسبب من خلال تقييد أسعار الهيليوم بشكل مصطنع في إضعاف الحافز لدى الشركات للاستثمار في فصل الهيليوم عن الغاز الطبيعي. ونتيجة لهذا فإن عدة آلاف من الأطنان من الهيليوم كانت تسرب ببساطة إلى الغلاف الجوي عند المصدر أو عندما يتم حرق الغاز الطبيعي.

ويتطلب إنهاء هذا الإهدار المؤسف للهيليوم تحولا جوهريا في التفكير في صناعة الغاز الطبيعي. ولأن الهيليوم منتج ثانوي لصناعة أخرى أضخم كثيرا من صناعات الطاقة، فبوسعنا أن نقول إن الهيليوم غير المستخدم لن يتم الحفاظ عليه.

ضعف بنيوي
ويعاني سوق الهيليوم اليوم من ضعف بنيوي. فقد أصبح حقل هيليوم بيرنج هوجوتون -وهو أكبر حقل غاز طبيعي في أميركا- في انحدار. والآن لم يعد من الممكن دعم القدرة الإنتاجية العالية للاحتياطي الفدرالي الأميركي من الهيليوم، والذي كان يمكنها عادة من التعويض عن انقطاع الإمدادات العالمية من الهيليوم.

وعلاوة على ذلك فإن التوسع السريع في إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة، والذي لا يحتوي على هيليوم يمكن استخراجه اقتصاديا، ساهم في تقليص الإمدادات الهامشية من الغاز التقليدي. فعلى سبيل المثال، أصبح حقل كيز للغاز الطبيعي في أوكلاهوما -الذي أسهم في التخفيف من نقص الهيليوم الحاد عندما بدأت الحكومة الأميركية في شراء الغاز من منتجي القطاع الخاص خلال سباق الفضاء- في سبات عميق الآن.

ولا يكون استخراج الهيليوم اقتصاديا من دون إنتاج الغاز الطبيعي، والآن لم يعد لدى شركات الغاز الطبيعي أي حافز يذكر لتكييف عملياتها بهدف تمكينها من استخراج الهيليوم. ففي الجزائر هناك حقل غاز عملاق، وهو حقل حاسي الرمل الغني بالهيليوم. وهذا الحقل يعد أيضاً مركزاً لتزويد منطقة الصحراء الكبرى بالغاز. وهناك تختلط التيارات الغنية والضعيفة. ويؤدي هذا إلى تقليل تركيز الهيليوم ويجعل الاستخراج صعبا.

من الواضح أن المشكلة ليست عدم كفاية الهيليوم، بل القيود الاقتصادية والقانونية والمادية المفروضة على موارد الهيليوم. والواقع أن أريزونا وحدها لديها من الهيليوم ما يكفي لإمداد الولايات المتحدة بالكامل لعقد من الزمان. ولكن حقل قبة القديس جون للغاز الطبيعي يغلب عليه غاز ثاني أكسيد الكربون، والذي تعتزم شركة ريدجواي أريزونا للنفط استخدامه لتعزيز مشاريع استخراج النفط في المنطقة. ولأن إنتاج ثاني أكسيد الكربون لم يبدأ بعد ولن يتم تنفيسه، فإن الوصول إلى الهيليوم في هذا الحقل يظل متعذرا.

ثاني أكسيد الكربون
وبرغم هذه التحديات، فإن شركات الغاز الصناعي تكتسب القدرة على الوصول إلى الهيليوم من موارد الغاز المنخفض الدرجة. ورغم أن بعض المنتجين -بما في ذلك محطة شوت كريك التابعة لإكسون موبيل بالقرب من لابارج في وايومنج، والتي كانت حتى عام 2013 موطن أكبر مصفاة للهيليوم في العالم- كانوا ينفسون ثاني أكسيد الكربون المهمل إلى الغلاف الجوي، فإنهم يبنون الآن مرافق احتجاز الكربون من أجل خفض الانبعاثات أو القضاء عليها تماما.

حتى بالونات المرح تعتمد على الهيليوم (الأوروبية)

وعلاوة على ذلك فإن النيتروجين -الغاز الذي يمكن تسريبه دون أية عواقب ضارة- يتعايش دوما مع الهيليوم. ومن قبيل المصادفة أن الاكتشاف الأولي للهيليوم بوفرة في الولايات المتحدة عام 1903 حدث في بئر مهملة للغاز في دكستر بولاية كانساس، والذي كان يحتوي على خليط من الغاز يتألف من أكثر من 70% من النتروجين ونحو 1.84% من الهيليوم. ومع ارتفاع أسعار الهيليوم، أصبحت المصادر الغنية بالنتروجين مجدية اقتصاديا.

ولكن مثل هذه المخططات الصغيرة النطاق لن تكون كافية لتلبية الطلب المتصاعد على الهيليوم في آسيا. ولهذا السبب فإن الشركات لا بد أن تنظر في مسألة الغاز الطبيعي المسال -السابق لظهور الغاز الصخري- الذي يمكن من إنتاج الهيليوم من الغاز الطبيعي الذي يحتوي على هيليوم بنسبة 0.04% فقط.

بدأ تشغيل أول محطة غاز طبيعي مسال منتجة للهيليوم في عام 1994 في الجزائر. وقطر لديها مصفاة تكرير عاملة للهيليوم، وأخرى بدأت العمل مؤخرا. والاثنتان كافيتان لإنتاج 25% من الهيليوم على مستوى العالم بحلول عام 2014.

وعلى مدى الأعوام العشرة المقبلة سوف تخضع صناعة الهيليوم لتحول جوهري، فمع هيمنة هذه الإمدادات من الشرق الأوسط فضلا عن إمدادات جديدة كبرى من روسيا، على السوق العالمية، فقد تبدأ الولايات المتحدة في استيراد الهيليوم. ولأن قسما كبيرا من إمدادات الهيليوم سوف يتم توجيهها عبر آسيا، فإن الاتحاد الأوروبي -الذي يستهلك أكثر من 20% من الهيليوم المتاح تجاريا على مستوى العالم- لا بد أن يبدأ العمل الآن من أجل وضع سياسة في التعامل مع الهيليوم تؤمن إمداداته من هذه السلعة الإستراتيجية في المستقبل.

ورغم أن الصناعات التكنولوجية الفائقة في أوروبا تعتمد على إمداد ثابت من الهيليوم، فإن الغاز لم يتلق اهتماما يذكر هناك. ففي عام 2011 قررت المملكة المتحدة -التي تعد أحد المراكز الرئيسية لتصنيع أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي- استبعاد الهيليوم من جلسات الاستماع البرلمانية بشأن العناصر المهمة إستراتيجيا، لأنه كان "خارج نطاق التحقيق".

وفي الوقت نفسه، فإن أكثر من نصف جزيئات الهيليوم التي تنتجها الجزائر تتجه إلى الشمال، غير مستخرجة وفي مواسير الغاز عبر إسبانيا وإيطاليا. ونظرا لأهمية الجزائر بالنسبة لأوروبا كبديل للإمدادات من الغاز الروسي، فإن الاتحاد الأوروبي لا بد أن يركز على تطوير سياسته في التعامل مع الهيليوم وفقا لذلك. 
-------------------------------
* مستشار العمليات والموارد في أكسفورد بإنجلترا، والمحرر المشارك لكتاب "مستقبل الهيليوم كمورد طبيعي.

المصدر : بروجيكت سينديكيت