فداء ياسر الجندي

عرضنا في المقال الأول من هذه السلسلة، طرفا من خصائص لغتنا العظيمة التي تؤهلها لتكون لغة علم وتقنية، وفي المقال الثاني نعرض طرفا من مسيرتها التاريخية المظفرة كلغة للعلم والعلماء، وسنناقش في هذا المقال كيف تمكنت أن تواجه التقدم العلمي الهائل في العصر الحديث.

إن مسيرة لغتنا التاريخية المظفرة، كلغة للعلم والعلوم، تبعها سبات حضاري، يسميه المؤرخون عصر الانحطاط، أفاقت أمتنا منه أوائل القرن التاسع عشر، لتجد أن الدنيا قد تغيرت، وأن هناك فجوة علمية هائلة بينها وبين الغرب، وأنها صبحت مستوردة للعلم بعد أن كانت مصدرة له، وكان على اللغة العربية أن تجاري هذا الواقع الجديد، وتواجه واحدا من أشد وأخطر التحديات التي واجهتها اللغة العربية في العصر الحديث.

وظن أعداؤها أن هذا الواقع سيكون نهاية اللغة العربية، وأسقط في يد الكثير من أبنائها ظنا منهم أن لغتهم لن تقوم بما يتطلبه عصر العلم، حيث أخذت المصطلحات العلمية الجديدة تتدفق علينا من الغرب بغزارة كالنهر الهادر، لكن اللغة العربية خاضت ذلك التحدي، مزودة بقدرتها الذاتية الخارقة على التكيف والتلاؤم وتوليد المعاني وتطوير المصطلحات، وهو ما عرضنا له في مقال سابق، ومزودة بهمة وإخلاص الغيورين من أبنائها.

لقد انبرى أبناء العربية في كل بلادها يقومون بما يتوجب عليهم لحماية لغتهم، وحققوا في ذلك إنجازات مبهرة، قد لا يعرفها الكثيرون، من الذين ما فتئوا يشتكون من ضعف اللغة في مجال العلوم، وليس ذلك ذنب اللغة، ولا ذنب من عمل في نهضتها، ولكنه ذنب من لا يبحثون عما قام به العلماء واللغويون، ويتنكرون لتراثهم، وما زالوا منبهرين بعقدة (الخواجا)، ولم يقرؤوا تاريخ لغتهم، ولم يعرفوا عظمتها ومرونتها، ويحسبون أن الرطانة بلغة الغرب هي التقدم.

يوجد أكثر من ثلاثين معجما علميا عربيا تغطي جميع فروع المعرفة، من طب وهندسة وفيزياء وكيمياء وغيرها

المؤسسات المتخصصة
هل تعلم عزيزي القارئ أنه يوجد أكثر من ثلاثين معجما علميا عربيا تغطي جميع فروع المعرفة، من طب وهندسة وفيزياء وكيمياء وغيرها، هي ثمرة جهود عشرات السنين من عمل المجامع اللغوية العربية، حيث نشأ في كل بلد عربي مع أوائل القرن الماضي مجمع لغوي، غايته حماية اللغة العربية، وتوليد الألفاظ الجديدة ولاسيما في مجال العلوم، وكان أولها المجمع اللغوي العلمي في العاصمة السورية دمشق، الذي تأسس عام 1919.

وحتى لا تتشتت جهود هذه المجامع، ويكون لكل بلد مصطلحاته العلمية، قامت هذه المجامع كلها بتأسيس (المكتب الموحد لتنسيق التعريب)، عام 1961 ومقره في المغرب، ويمكن من خلال موقعه الإلكتروني الحصول على تلك المعاجم والاطلاع على الكثير من النشاطات والكنوز اللغوية التي يقدمها ذلك المكتب.

وهل تعلم أن من جهود لجان المجامع اللغوية العربية ما قامت به لحنة المعجم العسكري العربي، التي وضعت وحدها في ذاك المعجم أربعين ألفا من الألفاظ والمصطلحات العسكرية. وهل تعلم أن الجمعية السورية للمعلوماتية قد أصدرت معجما للمصطلحات المعلوماتية، هو بحق موسوعة غاية في الإتقان، أشرف عليه فريق كبير من الدكاترة واللغويين، وكانت حصيلته ما يقرب من عشرة آلاف مصطلح معلوماتي وحاسوبي؟

وهل تعلم أن معجم المصطلحات الزراعية الذي وضعه الأمير مصطفى الشهابي يحتوي على تعريب عشرة آلاف مصطلح في هذا المجال؟ وكنا استعرضنا في مقال سابق موقع المعجم الطبي الموحد الذي أنجزه اتحاد الأطباء العرب، بالتعاون من منظمة الصحة العالمية.

هذا غيض من فيض من جهود الأفراد والمؤسسات، فماذا عن جهود الجامعات؟

الجامعات والتعريب
هل تعلم أن الجامعات السورية تدرس الطب والهندسة والصيدلة وجميع العلوم باللغة العربية، وذلك منذ تأسيسها، أي منذ ما يقرب قرنا من الزمان، وأن أساتذتها بالتعاون مع المجمع اللغوي في دمشق كانوا ولا يزالون يقومون وعلى مدى هذا القرن المديد بتعريب المصطلحات العلمية لكل الكليات، وأصبحت الكتب الجامعية السورية بمثابة كنز يحتوي على ما لذ وطاب من المصطلحات العلمية، وأثبتت تلك الجامعات قدرة لغتنا الفائقة على استيعاب العلوم.

يقول عضو مجمع اللغة العربية في الأردن الدكتور ناصر الدين الأسد إن "تعليم اللغة العربية في سوريا مدعاة لفخرنا جميعا حقيقة، ولا يجوز أن نظن أن التعليم باللغة العربية في الجامعات السورية قد أضعف التعليم التطبيقي أو العلمي، لأن كثيرا من الذين يتخرجون في الجامعات السورية يذهبون إلى الخارج فيتفوقون هنالك على قرنائهم من الأجانب، فالتعليم باللغة العربية لا يضعف المادة نفسها".

ما ينشر ويذاع ويبث من مواد علمية في وسائل الإعلام العربية المختلفة دليل لا يحتمل الشك على المقدرة الفائقة للغة العربية، للتعبير عن كل المجالات العلمية

لغتنا والإعلام العربي
أما على الصعيد الإعلامي والجماهيري، فإن ما ينشر ويذاع ويبث من مواد علمية في وسائل الإعلام العربية المختلفة، المطبوعة والمرئية والمسموعة والرقمية، دليل لا يحتمل الشك على المقدرة الفائقة للغة العربية، للتعبير عن كل المجالات العلمية.

نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، مجلة "العلوم" التي تصدر في الكويت وهي ترجمة لمجلة "ساينس الأميركية"، ومجلة "العربي" الكويتية، التي تهتم منذ صدورها وحتى اليوم بنشر مواد علمية باللغة العربية، ومجلة "المعلوماتية" السورية، التي تختص بتقنية المعلومات والاتصالات، ومجلة "ناشيونال جيوغرافيك" الأميركية، وهي من أشهر وأهم المجلات العلمية في العالم، فلها طبعة عربية تصدر في الإمارات، وتتناول كل أنواع العلوم تقريبا، بلغة عربية سهلة سلسة لا يستعصي عليها أي مصطلح علمي.

على صعيد المحطات الفضائية هناك محطة "ناشيونال جيوغرافيك أبو ظبي"، التي تبث برامج علمية على مدار الساعة باللغة العربية، فلا يشعر المشاهد إطلاقا بأنها لغة غربية عن العلم، بل يوقن بقدرة لغتنا الفائقة على التعبير، ومحطة الجزيرة الوثائقية، التي جعلت للعلم نصيبا كبيرا من برامجها، والمجد الوثائقية، وغيرها.

الأمثلة السابقة تدل بما لا يدع مجالا للشك على أن لغتنا العظيمة قد استطاعت أن تكون لغة العلم في الإعلام العربي، بأفضل أسلوب وأفصح كلام، دون أن ينقص ذلك من بساطتها وبلاغتها وقدرتها على التعبير.

ويستمر التحدي
وهنا قد يسأل السائلون: لماذا ما زال الكثيرون يعدون العربية عائقاً أمام تحصيلهم العلمي؟ ولماذا ما زال الكثيرون من الآباء يفضلون أن يعلموا أبناءهم في المدارس الأجنبية؟ ولماذا ما زالت معظم الجامعات العربية تدرس المواد العلمية باللغة الإنجليزية؟ ولماذا يضج اللغويون بالشكوى من الخوف على مستقبل اللغة العربية؟ ولماذا يشتكي بعض من يعمل في مجال العلوم من صعوبة الحصول على المصطلح العلمي باللغة العربية؟

أقول: أترك الجواب عن تلك الأسئلة المشروعة إلى المقال القادم.

________________
كاتب سوري متخصص

المصدر : الجزيرة