فداء ياسر الجندي

نعم هي كذلك، هي لغة العلوم والتقنية، ولا نقول ذلك تعصبا وانتصارا، وإن كنا لا نُخفي اعتزازنا بلغتنا وحبنا لها، ولكن نقوله تقريرا لحقيقة لا نشك فيها، ولدينا الأدلة القاطعة عليها، وهي أدلة تنطلق من ثلاثة محاور:

الأول هو خصائص لغتنا ومزاياها الفريدة، والثاني هو مسيرتها التاريخية كلغة للعلم والعلوم، والثالث هو حاضرها الذي نعيشه اليوم، والذي نزعم أنها أثبتت فيه قدرتها على أن تصلح لتكون لغة علم في حاضرها كما كانت في ماضيها.

أما مزاياها الفريدة وما تتمتع به من غنى في الألفاظ وقدرة على توليد المصطلحات والمفردات الجديدة، فأمر تضيق المقالات عن شرحه، ونكتفي بأطراف مختصرة منه في هذا المقال، على أن نتناول المحورين الآخرين، في مقالات قادمة إن شاء الله.

الاشتقاق ثروة لا تنضب
من أهم خصائص لغتنا ومزاياها الفريدة، تلك القابلية الهائلة على توليد الألفاظ الجديدة بالاشتقاق، وهي مزية قد توجد في بعض اللغات الأخرى، ولا سيما السامية، ولكنها في لغتنا لها ثلاث خصائص فريدة لا توجد في غيرها:

الخصيصة الأولى: أن عدد الاشتقاقات التي يمكن توليدها من جذر واحد لا يماثله عددها في أية لغة أخرى، وهذا يعطي اللغة العربية غنى هائلاً في الألفاظ، فقد أحصى العلماء مثلاً للجذر (كتب) ما يقارب ثلاثين مشتقاً، ويكفي مقارنة ذلك بمشتقات كلمة (Write) الإنجليزية التي هي أقل من عشرة مشتقات، لنعلم أهمية هذه الميزة.

والخصيصة الثانية للاشتقاق في لغتنا، قرينة للخصيصة الأولى ومكملة لها، وكلاهما معا يعطيان اللغة مرونة لا تقارن بغيرها، تلك هي: أوزان ومعاني المشتقات، ذلك لأن كل اشتقاق له وزن، وكل وزن يدل على معنى معين، فمثلا، وزن "مَفعَل" يدل على اسم مكان، مثل متحف، مرسم، مخبز، وأوزان مثل "مِفعَلة، فاعول" تدل على اسم آلة، مثل "مكنسة، طاحون"، وهكذا. أما اللغات الأخرى "فلم تبلغ مبلغها في ضبط المشتقات بالموازين، التي تسري على جميع أجزائها، وتوفق أحسن التوفيق المستطاع بين مبانيها ومعانيها"، كما يقول عباس محمود العقاد في كتابه "اللغة الشاعرة".

والخصيصة الثالثة للاشتقاق: أنها "تجعل من اللغة جسماً حياً تتوالد أجزاؤه ويتصل بعضها ببعض بأواصر واضحة، تغني عن عدد ضخم من الكلمات المفككة المنعزلة"، كما يقول الدكتور حيدر نعمة في بحث بعنوان "ظاهرة الاشتقاق".

فمثلاً، في اللغة العربية هناك صلة في المعنى والمبنى بين كلمتي "كتاب" و"مكتبة" وبين الجذر "كتب"، أما في الإنجليزية، فلا صلة بين الجذر write وبين كلمة book بمعنى كتاب وكلمة library بمعنى مكتبة.

من خصائص هذه اللغة العظيمة، أن الكلمة تحتفظ بدلالتها المجازية ودلالتها العلمية الواقعية في وقت واحد، بغير لبس بين التعبيرين

المجاز وأثره في توليد الكلمات
ومن خصائص هذه اللغة العظيمة، أن الكلمة تحتفظ بدلالتها المجازية، ودلالتها العلمية الواقعية في وقت واحد، بغير لبس بين التعبيرين، فعندما نقول في الطب مثلاً: "فلان مريض بالتهاب اللوزتين"، يفهم السامع المجاز المقصود بمصطلح "التهاب"، فهو ليس الالتهاب الناتج عن حريق، ولا تفقد الكلمة معناها الأصلي، لأننا يمكن أن نقول أيضاً: "إن التهاب هذا الموقد لا يكفي لإنضاج الطعام"، فيفهم السامع العربي بسليقته أن الالتهاب هنا هو المعنى الأصلي لا المجازي، وهذا يعطي اللغة ثراء هائلا في التعابير، وقدرة على استخدام ألفاظ موجودة في اللغة، في التعبير عن كلمات جديدة طارئة لم تكن معروفة، مع بقاء المعنى الأصلي مستخدماً.

لغتنا تتطور ولكن لا تتغير
إن هذه الخصائص المدهشة للغتنا العظيمة، وغيرها مما يضيق المقام عن ذكره، قد وهبت لغتنا مرونة فريدة عجيبة، مع المحافظة على أصولها، فهي لغة تتطور ولكن لا تتغير، وكمثال بسيط، دعونا نقرأ النص القصير التالي: "أقلعت الطائرة بنا من مدرج مطار دبي، في رحلة إلى دمشق، وكانت لدينا تذاكر رقمية، وفرت علينا كثيرا من الانتظار، وقد بثت شركة الطيران عرضاً يشرح قواعد السلامة، وضرورة إغلاق هواتفنا النقالة، وحواسيبنا. وقد حطت بنا الطائرة في مطار دمشق بعد ثلاث ساعات، وكان هبوطا مريحاً".

لا يشك أحد في أن جميع كلمات هذا النص القصير، عربية أصيلة، جذورها موجودة في معاجم اللغة، غير أن المتأمل فيها يرى أن أكثر من ربعها هي كلمات لها معان جديدة لم تكن معروفة، وهي: "طائرة، مطار، مدرج، تذاكر، بثت، عرض، رقمية، هواتف، شركة، حواسيب، حطت، هبوط"، وهذه مرونة وقدرة على توليد الألفاظ مع المحافظة على اللغة عبر الأجيال، لا تعرفها أية لغة أخرى في العالم، لذلك تمكنت اللغة العربية من أن تكون بحق لغة العلوم والتقنية، في ماضيها الزاهر، وواقعها الحاضر، كما سنبين في المقالات القادمة بعون الله.

________________
* كاتب وباحث ومترجم سوري في تقنية المعلومات

المصدر : الجزيرة