يرى الكاتب أن التقنية الخضراء ستكون اللاعب الأساسي في سوق الطاقة العالمي (رويترز-أرشيف)

إدوارد يونج-بيليف-واشنطن

إن الطاقة الشمسية تعتبر من قصص النجاح الباهر على معظم الأصعدة، فالاختراقات التقنية والتحسينات المستمرة في الفعالية قد خفضت سعر الألواح الشمسية من مائة دولار أميركي للواط الواحد في السبعينيات إلى أقل من دولار أميركي واحد للواط اليوم.

مع كل ذلك لا تزال الطاقة الشمسية تشكل أقل من 1% من استهلاك الطاقة العالمي، وبالنسبة للطاقة الشمسية، وكما هو الحال في العديد من التقنيات الخضراء الواعدة الأخرى، فإن التقدم التقني لم تتم ترجمته إلى تبنيها على نطاق واسع.

إن المشكلة تكمن في تركيبة السوق، وحتى نفهم السبب فإن على المناصرين للطاقة الخضراء تعلم بعض الدروس من تقنية أقل بكثير من حيث الفخامة والمكانة وهي تقنية السيارات المستعملة.

إن التبني البطيء للطاقة الشمسية عادة ما يعود إلى تكلفتها، فتركيب ألواح شمسية في منزل واحد يكلف نحو ثلاثين ألف دولار أميركي تقريبا، وبفضل المكاسب في الفعالية والتي تتم الإشادة بها فإن ما يتم تركيبه حديثا سوف يصبح قديما بسرعة.

لكن الأميركيين يصرفون بشكل روتيني ثلاثين ألف دولار أميركي على السيارات التي يستبدلونها كل أربع أو خمس سنوات تقريبا. ولديهم القدرة المالية على ذلك بسبب سوق السيارات المستعملة، فهذا السوق يساعد المستهلكين على تمويل شرائهم للسيارة القادمة بينما يعرض موديلات السيارات الأقدم التي لا تزال صالحة للاستعمال بسعر مخفض للغاية. إن الفائدة والقيمة الحالية للسيارات المستعملة تخلق سوقا طبقيا فيه خيارات عديدة بالنسبة للمواصفات وسعر الشراء.

أما بالنسبة للجيل القادم من التقنيات فإن العائق أمام الدخول ليس التكلفة الأولية بقدر ما هو عدم وجود سوق للجيل القديم. إن من المؤكد أن سوق الطاقة الشمسية سوف يتوسع لو كان للمستهلكين الخيار بشراء ألواح شمسية أقل فعالية (موديل العام الماضي) بنصف القيمة على سبيل المثال.

إن المخططين الحكوميين لن يواجهوا صعوبة في تبرير صرف مبلغ كبير على تقنية سوف تدوم لفترة طويلة -حتى لو أصبحت قديمة بسرعة- لو تأكدوا أن بإمكانهم أن يستعيدوا بعضا من إنفاقهم خلال سنوات قليلة، كما أن احتمال قيام المستثمرين بتمويل انتشار واسع للألواح الشمسية سوف يزيد لو استمرت قيمة التقنية لفترة تتجاوز التعديل القادم في تصميم الخلية الشمسية.

إن حكمة الأسواق الثانوية تقول إنه لو حاولت أن تدخل تقنية جديدة مكلفة للسوق فيجب عليك أن تتأكد أن بإمكان الناس شراءها مستعملة كذلك.

هناك اهتمام حقيقي بفكرة إعادة تدوير التقنية الخضراء، ولكن السوق الثانوي لتقنية الطاقة الشمسية لن ينشأ حتى تتم معالجة قضية أخرى وهي "سرعة التجديد"

السوق الثانوي
إن الطلب على الألواح الشمسية المستعملة يبدو واضحا بالفعل في الدعوات المتكررة لتقنية شمسية أرخص. وهناك اهتمام حقيقي بفكرة إعادة تدوير التقنية الخضراء، ولكن السوق الثانوي لتقنية الطاقة الشمسية لن ينشأ حتى تتم معالجة قضية أخرى وهي "سرعة التجديد".

لو نظرنا لعملية استبدال السيارات الجديدة بالقديمة لوجدنا أن العملية سريعة وسهلة للغاية، فأنت بإمكانك أن تأخذ سيارتك إلى وكالة السيارات وتخرج من تلك الوكالة بسيارة أخرى لأن جميع السيارات تستخدم نفس البنية التحتية للطرق.

على النقيض من ذلك فإن تجديد الألواح الشمسية هي عملية بطيئة بشكل مؤلم، ومثل العديد من التقنيات الخضراء فإن الطاقة الشمسية تحتاج إلى بنية تحتية خاصة بها وكل مصنع يصمم أنظمة بتخطيطات ميكانيكية وقواعد ووصلات كهربائية فريدة، ونتيجة لذلك فإنه لا يمكن ببساطة استبدال ألواح جديدة بالألواح الشمسية القديمة، مما يعني أنه من أجل التحديث فإنه يجب على زبائن الطاقة الشمسية ليس فقط شراء السيارة ولكن أيضا إعادة بناء الطرق.

إن من نافلة القول إن مثل هذا النوع من التحديث مكلف، ليس فقط بالنسبة للمستهلك نظرا لأن البنية التحتية لكل لوح فريدة من نوعها وكل شركة للتقنية الشمسية يتوجب عليها أن تقوم بتدريب وتجهيز مجموعة متخصصة من الموظفين لتركيب وفك منتجاتها والاحتفاظ بهؤلاء الموظفين، وهذا يشكل بالطبع عبئا ماليا كبيرا على أية شركة ناهيك عن شركة جديدة في سوق جديد.

إن كلا من سرعة التحديث والسوق الثانوي للطاقة الشمسية يمكن تحسينهما عن طريق تخفيض نفقات المعاملات المرتبطة بتبني تقنية شمسية جديدة. إن مثل هذه النفقات -التركيبات لمرة واحدة والمستقلة عن التكلفة الجوهرية للتقنية- تشكل العائق الحقيقي للتبني الواسع للتقنيات الخضراء، فكلما انخفضت تكاليف تلك المعاملات، تمكن أولئك الذين يتبنون تقنيات الجيل القادم مبكرا من التحديث لتلك التقنيات مما يعمل على تسريع تطوير السوق الثانوي.

على سبيل المثال فإن تكلفة تبني الطاقة الشمسية يمكن أن تنخفض بشكل كبير لو قمنا بتوحيد أحجام الألواح الشمسية وتركيبات القواعد، علما أن توحيد المقاييس سوف يسهل إلى حد كبير استبدال ألواح جديدة بالألواح القديمة مما يخفض من نفقات المعاملة لكل تطوير من 40% من تكلفة النظام إلى 0%تقريبا. إن كلا من الأسواق الأولية والثانوية للألواح الشمسية سوف تتوسع وتنقسم إلى طبقات وتصبح أكثر مرونة.

وبشكل عام فإنه يتوجب على الحكومات أن تستثمر في البنية التحتية والتي تسهل نشر التقنيات الشمسية وغيرها من التقنيات بأسعار أقل. إن مثل هذا الاستثمار يخلق منابر للابتكار والتجارة والتي تحقق عوائد أكبر بكثير من ما يمكن أن تحققه تقنية واحدة أو صناعة واحدة.

إن استثمار الحكومة في الطرق وإشارات المرور والبنية التحتية للمواقف شكل الأساس لنشوء صناعة سيارات عالمية، وهذا يدعم اليوم التطوير المستمر في المركبات التي تعمل على الغاز والديزل والكهرباء بالإضافة إلى المركبات الهجينة، وبالنسبة لقيمة الأموال فإن مثل هذا الاستثمار كان أكثر فعالية من دعم شركة مصنعة للمركبات أو تقنية واحدة.

إن وجود قاعدة صلبة موحدة للتقنية الخضراء سوف يمكن المبتكرين من التخطيط على المدى الطويل، وطبقا للوضع الحالي يتوجب على أصحاب المبادرات الخضراء اختيار تقنية واحدة من أجل الاستثمار فيها، فإن لم يربحوا تركيبات كافية باستخدام تلك التقنية فإنهم يصبحون خارج اللعبة، إذ ليس لديهم الفرصة لمحاولة تقنية أخرى أو عرض خصومات على موديلات السنة الماضية أو توفير عقود خدمة على معدات قديمة، وهي إستراتيجيات موجودة في صناعة السيارات تساعد في التخفيف من الانخفاض في الموارد التي تتسبب بها التقلبات في مبيعات السيارات الجديدة. إن العديد من الشركات الجديدة في مجال الطاقة الشمسية قد وقعت ضحية لهذه الديناميكية المتمثلة في تحقيق نجاح أولي فقط.

إن الاستمرار في الابتكار حيوي لمستقبل التقنيات الخضراء نظرا لأن جميعها بما في ذلك الطاقة الشمسية لا تزال تعاني من مشكلات تقنية تحتاج للحل ولكن العديد منها هي جيدة لدرجة تجتذب المستهلكين. إن البنية التحتية التي تجعل التحديثات أسرع وأرخص سوف تسرع من تبنيها وتطويرها.

إن التقنية الخضراء لديها القابلية لأن تصبح اللاعب الكبير القادم في السوق العالمي ولكنها بحاجة لمكان في هذا السوق حتى تنطلق.


_________________
إدوارد يونج عمل سابقا كبيرا للمصممين في شركة مايكروسوفت الأميركية، وهو يعمل حاليا مسؤولا تقنيا تنفيذيا في شركة المشاريع الفكرية.

المصدر : بروجيكت سينديكيت