خلايا جذعية يجري إنتاجها من خلايا الجلد (الأوروبية)

د. وحيد محمد مفضل

شهد عام 2013 تحقيق عدد من الإنجازات العلمية في مختلف المجالات، كان أبرزها نجاح استنساخ الخلايا الجذعية البشرية، واكتشاف جيل جديد واعد من الخلايا الشمسية، وتحقيق تقدم فيما يتعلق بالمخ البشري، والتوصل لمعلومات جديدة عن نشأة الكون والأشعة الكونية، والكشف عن أقدم حمض نووي بشري، وطرح نظارة غوغل الذكية.

استنساخ خلايا جذعية بشرية
نجح فريق طبي أميركي بقيادة الدكتور شوكرات ميتاليبوف من جامعة أوريغون، في إنتاج خلايا جذعية جنينية من خلايا البشرة، عن طريق استخدام نفس التقنية التي كانت قد استخدمت في استنساخ النعجة دوللي عام 1996، وهي تقنية نقل نواة الخلية.

وتمثل هذه الخطوة قفزة في علم الجينات ومجال العلاج بالخلايا الجذعية، حيث يمكن استخدام هذه الخلايا في تخليق أنسجة وخلايا وعظام جديدة لتحل محل الأنواع المريضة أو المفقودة، ومن ثم علاج الضرر الناجم عن الأزمات القلبية أو انقطاع الحبل الشوكي وعشرات الأمراض والمشاكل الطبية المستعصية الأخرى.

وقد تحقق هذا السبق عن طريق نقل نواة خلايا الجلد التي كانت تحتوي على الحمض النووي (DNA) من جنين غير مكتمل إلى بويضات بشرية، ليكتمل انقسام هذه البويضات بعد ذلك مختبريا، منتجة خلايا جذعية جنينية. والمثير في الأمر أن عملية استنساخ هذه الخلايا لم يكتب لها النجاح إلا بعد غمس البويضات البشرية في الكافيين!

وقد أثبت العلماء بهذا -وللمرة الأولى- أنه يمكن استحداث خلايا جذعية جنينة مماثلة جينيا لخلايا الشخص الذي استخرجت من أنسجته، من دون استنساخ الفرد بكامله، حيث يمكن استخراجها من المواد الجينية التابعة للمريض نفسه، ومن دون رفض الجسم لها. وتجنب هذه التقنية الجديدة الاستعانة بالأجنة التي تم إخصابها في الأنابيب لاستخراج الخلايا الجذعية، مما يقلل من حدة الجدل الديني والأخلاقي المحيط بهذه العملية.

التوصل لمادة البيروفسكيت التي ستحدث ثورة في تحويل الطاقة الشمسية لطاقة كهربائية (الجزيرة)

جيل واعد من الخلايا الشمسية
أعلن مؤخرا فريق بحثي دولي مشترك بقيادة العالم السويسري مايكل جرايتزل التوصل لمادة جديدة من أشباه الموصلات تعرف باسم البيروفسكيت، من شأنها إحداث ثورة في تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية، باعتبارها أكثر كفاءة وأرخص بخمس مرات من المواد المصنعة للخلايا الشمسية التقليدية الحالية، المصنعة عادة من السليكون البلوري والتي لا تزيد كفاءتها في تحويل الطاقة على 20% في أقصى تقدير.

وتعتبر مادة البيروفسكيت من أشباه الموصِّلات الفلزية، وتتميز عن غيرها من أشباه الموصلات الأخرى بقدرتها على توليد إلكترونات سريعة ولها قدرة كبيرة على الانتقال والحركة من الطاقة الشمسية أو الضوئية، كما يمكن حفزها على السير في اتجاه واحد، وهذا من شأنه المساعدة في تصنيع خلايا شمسية غشائية أكثر سماكة وكفاءة من الخلايا التقليدية، بالإضافة إلى خفة وزنها ومرونتها، بل إمكانية إنتاجها بأكثر من لون شفاف، غير اللون الفضي التقليدي.

يكفي حجم الإنجازات البحثية المتحقق في عام 2013 لأن نطلق عليه عام المخ البشري بحق، فقد نجح فريق بحثي دولي في رسم خريطة مفصلة لمخ الإنسان وإنتاج أطلس كامل للخلايا العصبية باستخدام التقنية الثلاثية الأبعاد والتصوير المجسم

خريطة ثلاثية الأبعاد للمخ البشري
يكفي حجم الإنجازات البحثية المتحقق خلال عام 2013 لأن نطلق عليه عام المخ البشري بحق. فقد نجح فريق بحثي دولي في رسم خريطة مفصلة لمخ الإنسان، وإنتاج أطلس كامل للخلايا العصبية باستخدام التقنية الثلاثية الأبعاد والتصوير المجسم، وهي خطوة قد تسهم مستقبلا في إمكانية فحص بنية مخ الإنسان بالتفاصيل المجهرية، وعلاج السكتات الدماغية وبعض الاضطرابات والأمراض العصبية الأخرى.

كما تمكن فريق بحثي أميركي -ولأول مرة- من تصوير الخلايا العصبية أثناء إرسالها إشارات كهربائية داخل مخ يرقة سمكة الزرد، وتمكن فريق أميركي آخر من استحداث تقنية تصوير جديدة وواعدة باستخدام أسلوب المعالجة الكيميائية، أطلق عليها اسم "كلاريتي" CLARITY، لتصوير شبكة الخلايا العصبية بشكل ثلاثي الأبعاد، وبدرجة وضوح عالية وغير مسبوقة. في حين تمكن فريق ثالث من التعرف على مكان وجود مخزن الذاكرة بمخ أحد فئران التجارب، بل زرع ذاكرة وأحداث غير حقيقية داخل هذا المخزن.

من جهة أخرى، أطلق الاتحاد الأوروبي أكبر مشروع بحثي من نوعه، عرف باسم "مشروع المخ البشري" (Human Brain Project)، يسعى لمحاكاة عمل المخ البشري ووظائفه الكاملة بواسطة الحواسيب العملاقة، وتصنيع "دماغ رقمي" يمكنه الربط بين الإشارات العصبية والقيام ببعض الوظائف. وردا على هذه الخطوة، قام الرئيس الأميركي باراك أوباما بإطلاق مبادرة بحثية مشابهة، عرفت اختصارا باسم BRAIN.

ويهدف المشروعان كذلك إلى زيادة فهم طبيعة عمل المخ البشري، وكيفية قيامه بوظائفه الروتينية، بما يتيح التعرف على طبيعة الاضطرابات العصبية والأمراض التي تصيب المخ، وخاصة مرض التوحد، وبما يساعد على تشخيص أفضل، وعلاجات أكثر فعالية.

إنجازات تحققت على صعيد دراسة نشأة الكون والأشعة الكونية بالفضاء (الأوروبية)

جديد حول نشأة الكون والأشعة الكونية
شهد عام 2013 أكثر من إنجاز على صعيد دراسة نشأة الكون وطبيعة المواد والأشعة الكونية الموجودة في الفضاء المحيط والنجوم الخارجية، فقد أثمرت النتائج التي توصل إليها القمر الصناعي الأوروبي "بلانك" عن معلومات وصور مذهلة وغير مسبوقة حول تشكل الكون وطبيعة الأشعة الكونية، ونشرت وكالة الفضاء الأوروبية في مارس/آذار الماضي المشاهدات الأولية التي أمكن التوصل إليها بواسطة هذا القمر، ومنها خريطة كونية غير مسبوقة لتوزيع الإشعاعات الخلفية الناتجة عن الانفجار الكبير (Big Bang) والمنتشرة في الكون.

وأهمية هذه الخريطة تتمثل في أنها تصور شكل الكون في بدايته الأولى، وتحديدا حينما كان عمره 380 ألف عام فقط.

كما تمكن "بلانك" من التوصل إلى أن ما يسمى بالانفجار الكبير وولادة الكون قد حدثا قبل نحو 13.82 مليار سنة، أي أنه أقدم من التقديرات السابقة بحوالي مائة مليون سنة.

وبالنسبة إلى شكل الكون المرئي، فقد أوضحت معطيات القمر "بلانك" أن الكون كروي الشكل، أي مغلق، وأن هناك انحناء إيجابيا طفيفا لا نشعر به نظراً لضخامة الكون واتساعه، وهو ما يخالف الاعتقاد السابق السائد بأن الكون له ثلاثة أبعاد وأنه مسطح وممتد إلى ما لا نهاية، أي غير مغلق.

من جهة أخرى، نجح علماء وكالة ناسا خلال عام 2013 أيضا في تعقب نوعية معينة من الأشعة الكونية المتسارعة العالية الطاقة، وذلك حتى موقع ولادتها ونشأتها داخل بقايا حطام النجوم المتفجرة أو ما يعرف باسم "السوبرنوفا" الواقعة داخل مجرتنا، وذلك بفضل قدرات التليسكوب الفضائي "فيرمي".

نجح فريق بحثي ألماني في استخراج وتحليل الحمض النووي من عظام فخذ شخص توفي قبل أربعمائة ألف سنة، ليعد بهذا أقدم حمض نووي بشري (DNA) تم الوصول إليه

أقدم حمض نووي بشري
نجح فريق بحثي بقيادة الدكتور ماتياس ماير من معهد ماكس بلانك للتطور البشري بمدينة لايبزيغ بألمانيا، في استخراج وتحليل الحمض النووي من عظام فخذ شخص توفي قبل أربعمائة ألف سنة، كان قد وجد في كهف بشمال إسبانيا ضمن 28 هيكلاً عظمياً آخر من العصر الحجري، ليعد بهذا أقدم حمض نووي بشري (DNA) تم الوصول إليه.

وقد تمكن الفريق من الحصول على تسلسل الشفرة الوراثية كاملة تقريباً أو "الجينوم" من الميتوكوندريا الخاصة بهذه العظام، التي يشار إليها بـ"mtDNA" والتي تعد مجمعات طاقة صغيرة في الخلايا ولها حمض نووي متفرد لا مثيل له في أي شخص أو حيوان آخر، بما يعني أنه يمكن استخدامها لتتبع الأنساب والصفات الوراثية للإنسان عبر العصور.

وتكمن أهمية هذا الكشف بالتعرف على كيفية تطور أجدادنا القدماء، وكيفية اختلاط الأنساب بين الجماعات البشرية القديمة على اختلافها.

وظيفة النوم الأساسية
أثبت فريق طبي مشترك من جامعتي روتشستر ونيويورك بالولايات المتحدة وجود وظيفة أساسية للنوم، بالإضافة إلى أهميته لراحة الجسد، إذ كشفت الاختبارات التي أجريت على فئران التجارب دور النوم في التخلص من البروتينات الزائدة وغيرها من السموم والمواد غير المرغوبة الموجودة بين أغشية الدماغ، والتي تتراكم في الدماغ أثناء اليقظة والنشاط اليومي الاعتيادي.

وخلال هذه التجارب تبين أن خلايا المخ تنكمش أثناء النوم مما يؤدي إلى فتح ثغرات بينها تسمح لسائل الدماغ الشوكي "بغسل الدماغ" وإزالة ما علق به من فضلات وسموم بيولوجية تتراكم جراء عناء العمل والتفكير خلال اليقظة، كما لوحظ أن عملية التنظيف هذه لا تبدأ إلا أثناء النوم لأن ضخ السائل الشوكي يتطلب طاقة كبيرة أثناء اليقظة.

ابتكار نظارة غوغل لا يقل في أهميته عن اختراع الحاسوب والإنترنت (الأوروبية-أرشيف)

نظارة غوغل الذكية
طرحت شركة غوغل في أبريل/نيسان الماضي نظارتها الذكية Google Glass بصفة مبدئية للمطورين، وهي نظارة تعمل بنظام أندرويد، وتتكون من كاميرا بقوة خسمة ميغابكسلات وشاشة لوحية تعمل بنظام اللمس ومزودة ببطارية وميكروفون وشريحة ذاكرة سعة 16 غيغابايتا، مدمجة كلها داخل إطار نظارة.

وتكون الشاشة في مجال رؤية من يرتديها، بحيث يمكن تصوير الفيديو والتقاط الصور وأداء أعمال البحث والترجمة وغيرها من المهام بسلاسة وأقل مجهود. كما أضافت الشركة خاصية البحث بواسطة الصوت، وتزويد متصفح النظارة بجميع المهام والتطبيقات الموجودة بالحواسب الشخصية والهواتف الذكية.

ومؤخرا أضافت شركة غوغل خاصية جديدة على هذه النظارة، بحيث يمكن لمستخدميها التقاط الصور بـ"غمزة عين". كما أضافت خاصية قفل شاشة عرض النظارة إلى جانب تزويدها بإمكانية رفع مقاطع الفيديو وتبادلها على موقع يوتيوب.

ويعتبر ابتكار غوغل الجديد تحفة علمية متطورة وابتكارا غير مسبوق لا يقل في أهميته عن اختراع الحاسوب والإنترنت، بحسب وصف بعض الخبراء. وقد قام جراح أميركي مؤخرا بإجراء عملية جراحة وبث تفاصيلها على الإنترنت مباشرة لمجموعة من الطلبة بغرض التعليم الطبي، عبر استخدام نظارة "غوغل" الذكية.

شهد عام 2013 إنجازات على مستوى استنبات بعض الأعضاء البشرية معمليا، مما قد يمهد الطريق مستقبلا نحو إنتاج أعضاء بشرية كاملة

تصنيع قطع غيار بشرية
شهد عام 2013 إنجازات على مستوى استنبات بعض الأعضاء البشرية معمليا، مما قد يمهد الطريق مستقبلا نحو إنتاج أعضاء بشرية كاملة.

ففي سبتمبر/أيلول الماضي، نجح فريق بحثي من معهد التقنية الحيوية الجزيئية في فيينا بالنمسا، في توجيه الخلايا الجذعية المحفزة ودفعها بحيث تنمو بشكل ثلاثي الأبعاد، لينتج في النهاية أعضاء وقطع غيار بشرية بدائية ومصغرة يمكن أن تمهد في المستقبل لإنتاج أعضاء حيوية كاملة.

وكان من بين أول الأعضاء المنتجة بهذه الطريقة دماغ بشري مصغر في حجم حبة البازلاء، ويماثل مخ جنين بشري بعمر تسعة أسابيع، وهذا المخ وإن كان غير قادر على التفكير وعلى الوعي المعرفي، بسبب عدم وجود إمداد دموي، إلا أنه يمكن أن يساعد العلماء على معرفة الطريقة التي يتطور بها الدماغ وأسباب العلل والاضطرابات العصبية التي يمكن أن تصيبه.

كما حقق باحثون أستراليون إنجازا مشابها، بصناعة كلية كاملة من الخلايا الجذعية بطريقة مختبرية، عبر تحويل خلايا الجلد البشري إلى عضو مصغر يعمل على شكل "كلى مصغرة" ويبلغ عرضه بضعة ملليمترات فقط.

المصدر : الجزيرة