الطابعات ثلاثية الأبعاد حققت انتشارا ونجاحا كبيرين خلال فترة زمنية قصيرة (غيتي إيميجز-أرشيف)

د. أنس طويلة

لم يعد خفياً أن تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد قد حققت نجاحاً كبيراً وانتشاراً واسعاً خلال زمن قياسي مما جعلها حديث الساعة في عالم التقانة لما تحمله في طياتها من إمكانيات في تشكيل المواد  وتطويعها حسب الحاجة وبتكاليف زهيدة.

ومع احتلال هذه الطابعات أسواق المستهلكين والانخفاض المستمر في أسعارها (والتي وصلت إلى مائة دولار فقط لطابعة "بيتشي برينتر")، بدأ الباحثون باستشراف آفاق تقنية جديدة تتفوق على سابقتها في جوانب عدة تضيف بعداً رابعاً إلى الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتسمى بالطباعة رباعية الأبعاد.

فإذا كانت تطبيقات الطباعة ثلاثية الأبعاد تشمل الإنتاج المحلي والسريع لطيف واسع من المواد والمنتجات البلاستيكية والمعدنية والغذائية بل والحيوية أيضاً، فبماذا تمتاز عنها تقنية الطباعة رباعية الأبعاد؟

تعتمد تقنية الطباعة رباعية الأبعاد على التطورات المتسارعة في عالم أبحاث الجزيئات الصغرية والتي تتيح برمجة هذه الجزيئات الفيزيائية لتصبح قادرة على تغيير شكلها ومواصفاتها حسب الطلب.

أي إن مصطلح الطباعة رباعية الأبعاد يعني القدرة على إنتاج مواد وأشكال يمكنها تغيير شكلها مع مرور الزمن أو تجميع نفسها بنفسها دون تدخل خارجي، وذلك باستخدام طابعات سهلة الاستخدام وذات كلفة منخفضة.

أما سبب إضافة البعد الرابع إلى التسمية فيعود إلى دخول عامل الزمن إلى المعادلة، إذ لم تعد المواد المنتجة مقتصرة على الأشكال الساكنة، بل أصبح من الممكن إنتاج مواد تتغير أشكالها وخصائصها مع مرور الزمن.

تطبيقات محتملة

من غير المستبعد إذاً أن نتعلم في المستقبل القريب من كيفية اعتناء النمل بمملكته أو النحل بخلاياه لكي نتمكن من "طباعة" أبنية ذكية تقوم بتنظيف وصيانة نفسها بنفسها
من التطبيقات المحتملة لهذه التقنية مثلاً إمكانية طباعة مفروشات يتغير شكلها بتغير المواسم ودرجات الحرارة (كتلك التي يعمل على تطويرها فريق من الباحثين في معهد ماساشوستس للتقنية بقيادة سكايلار تيبتس)، أو أنابيب ذكية للمياه والسوائل يمكنها تغيير قطرها حسب الحاجة وبالتالي التأثير على ضغط السوائل التي تجري ضمنها.

هناك أيضاً على سبيل المثال إمكانية تصنيع كوخ على هيئة مجموعة من الألواح المسطحة التي ستعمل عند رشها بالماء على إعادة تشكيل نفسها لتأخذ الشكل النهائي ثلاثي الأبعاد للكوخ ليصبح قابلاً للاستخدام لأغراض السكن. وكذلك إمكانية تصنيع مواد ذكية يمكن استخدامها في بناء الجسور والطرقات بحيث تعمل على إصلاح أي تشققات أو حفر بشكل ذاتي دون الحاجة إلى صيانة مستمرة.

ويطمح بعض الباحثين في هذا المجال إلى استغلال ميزات الطباعة رباعية الأبعاد في تطوير مواد ومنتجات تحاكي الطبيعة (Biomimicry)، هدفهم في ذلك البحث عن حلول لبعض المشاكل التي تواجه البشرية من خلال التمعن بكيفية تعامل الكائنات الحية في الطبيعة مع المشاكل المشابهة، ومن ثم استخدام إمكانيات التشكيل والتحول الذاتي في الطباعة رباعية الأبعاد لإنتاج مواد صناعية تمتلك نفس خصائص الكائنات الحية.

من غير المستبعد إذاً أن نتعلم في المستقبل القريب من كيفية اعتناء النمل بمملكته أو النحل بخلاياه لكي نتمكن من "طباعة" أبنية ذكية تقوم بتنظيف وصيانة نفسها بنفسها، لتوفر علينا كثيراً من العناء والنفقات.

لكن منازل المستقبل قد لا تكون قادرة على تنظيف وصيانة ذاتها فحسب، بل قد تتمكن من بناء نفسها ذاتياً طبقاً لمواصفات ومخططات قد تصبح متاحة عبر شبكة الإنترنت. إذ يطمح الباحثون في مجال محاكاة الطبيعة إلى استيحاء أساليب وآليات النمو في الكائنات الحية كالأشجار مثلاً واستخدامها لتطوير تقنيات للطباعة رباعية الأبعاد تتيح للمنازل والأبنية أن تبني نفسها بنفسها. بل أن هذه المنازل قد تكبر وتصغر أيضاً تبعاً لحاجة ساكنيها وللظروف المحيطة بها.

تخيل منزلاً يمكنه أن يعرف بأن مولوداً جديداً سيصل قريباً، ليقوم بنفسه ببناء غرفة مخصصة لهذا المولود توفر له أفضل الظروف البيئية كالإضاءة الجيدة ودرجة الحرارة الملائمة. وسيقوم المنزل أيضاً بتطوير وتعديل مواصفات هذه الغرفة لتواكب مراحل نمو الطفل واحتياجاته المتغيرة. قد تبدو هذه الفكرة مجرد شطحة من مخيلة مؤلفي أفلام وروايات الخيال العلمي، لكنها قد تتحقق في الواقع خلال فترة لن تطول كثيراً.

________________________
* باحث أكاديمي وخبير في مجال أمن ونظم المعلومات

المصدر : الجزيرة