مسودة عمل عالمي الفيزياء النظرية فرنسوا إنغليرت وبيتر هيغز (غيتي إيميجز)

عمر الحياني*

منذ نحو خمسين عاما، طرح العالم البريطاني بيتر هيغز نظريته حول تشكل الكون فيما يعرف بـ"الانفجار العظيم"، الذي يعتبر عودة إلى الوراء لمعرفة البدايات الأولى للخلق وتكون مادته، وغوص في جزيئات الكم لمحاولة فهم اكتساب المادة كتلتها الأولى في مسار تشكل الكون.

وقد احتدمت النظريات والتفسيرات بين علماء الفيزياء، جلهم  يسعى إلى فك اللغز المحير في  الجسيم المسؤول عن التحام المكونات الأولية للمادة، واكتسابها تماسكها وكتلتها.

الحلقة المفقودة
برعت نظرية هيغز في تقديم أولى الأفكار حول نشأة الكون بتقديم رؤية تتمحور حول الفرضية التالية: يحتوي الفضاء الخالي على حقل من الطاقة يسمى الآن" حقل هيغز"، وهناك جسيمات دون الذرية مختلفة الكتلة، وبعضها منعدم الكتلة، أدى تفاعلها وسط هذا الحقل من الطاقة (حقل هيغز) إلى اكتساب الجسيمات كتلتها حسب حجمها.

لكن في ظل هذه الجسيمات العائمة في حقل طاقة هيغز، هناك جسيم مفقود يبحث عنه العلماء لأنه سر التحرك الكوني للجسيمات الذي وهب صفة الكتلة لكل الجسيمات الذرية الأولية.

إذن نحن أمام حلقة مفقودة في نموذج نشأة الكون، وهذه الحلقة المفقودة تفسر طريقة عمل بقية مكونات ومركبات الكون، إذ أنها الجسيم الوحيد من بين الجسيمات العاملة في الطبيعة التي لم تكتشف حتى الآن، ما منحها صفة الحلقة المفقودة.

اكتشاف الجسيم
بعد نصف قرن من الزمن قضاها العلماء والباحثون بحثا عن هذا الجسيم المسؤول عن نشأة الكون، أعلن علماء المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) رصدهم  له. وذلك على هامش المؤتمر الـ62 للفائزين بجوائز نوبل في مدينة لينداو الألمانية مطلع شهر يوليو/تموز 2012.

حيث قالوا إنهم رصدوا جسيما له خصائص مشابهة لما يعرف بـ"بوزون هيغز" (Higgs boson) المسؤول نظريا عن اكتساب المادة كتلتها، وشكل نشأة الكون.

إنغليرت (يمين) وهيغز حصدا جائزة نوبل للفيزياء لعام 2013 (غيتي إيميجز)

وتقديرا لهذا الاكتشاف العلمي أعلنت الأكاديمية السويدية للعلوم في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول في ستوكهولم منح جائزة نوبل لعام 2013 في الفيزياء للعالمين البلجيكي فرنسوا إنغليرت والبريطاني بيتر هيغز تقديرا لأعمالهما التي أدت إلى "الاكتشاف النظري لآلية تساهم في فهمنا لأصل كتلة الجسيمات دون الذرية والذي تم تأكيده في التجارب التي أجريت في معامل سيرن في سويسرا".

التجربة العملاقة
ولمحاكاة الظروف التي أعقبت الانفجار العظيم لتشكل الكون، تم بناء مصادم الهيدرونات في مدينة سيرن. وأجريت سلسلة من التجارب التي تضمنت ضخ موجة من الجسيمات ذات الطاقة من معجل المشروع البحثي التابع  لـ"سيرن" قرب جنيف في سويسرا إلى أنبوب المصادم لمسافة 27 كيلومترا ليمر به سيل من  جسيمات البروتونات التي يجري تحويل مسارها عكسا تجاه عقارب الساعة لمسافة نحو ثلاثة كيلومترات.

اصطدمت الجسيمات بعضها ببعض بكم طاقة هائل، يصل إلى 3.5 تريليون إلكترون فولت، مصدرة شرارة شديدة الصغر لكنها أيضاً شديدة الكثافة، أي أنها تمثل نوعا من الانفجار الكبير، ولكن على مستوى شديد الصغر.

وينتج عن هذا كله ستمائة مليون تصادم بين الجزيئات في الثانية الواحدة، ويؤدي كل واحد من هذه التصادمات إلى انشطار آلاف الأجزاء من الجزيئات، التي يتم تسجيلها ورصدها تمهيدا للتعرف على كيفية تحول الطاقة إلى كتلة واكتشاف الآلية التي يتم بها اكتساب الأجسام لكتلها.

وتم رصد جسيم بوزون هيغز في المختبر وتحديد بياناته الحالية التي تؤكد وجوده بدرجة كبيرة وأنه جسيم موجود في مجال طاقة 125 غيغا إلكترون فولت.

وتحكي التجربة الدائرية طريقة التكوين اللولبي لالتفاف المادة وتصادمها عند نشوء الكون. وتبلغ درجة الحرارة داخل المسرع -271.3 درجة مئوية أي أقل بقليل من درجة الحرارة في الكون الخارجي، الذي تبلغ درجة الحرارة فيه -270.4 درجة مئوية.

وفي الوقت نفسه، ستصبح درجة الحرارة عند انفجار الذرات داخل المسرع أكبر مائة ألف مرة منها في مركز الشمس. كما سيجبر مجال مغنطيسي أقوى مائة ألف مرة من المجال المغناطيسي للأرض الجزيئات على الانتظام في مدارها.

المصادم يمتد على طول 27 كيلومترا تحت الأرض (الأوروبية-أرشيف)

اكتشاف القرن
يعتبر جسيم هيغز جُسيما افتراضيا يعتقد أنه أدى دورا حيويا في نشأة الكون في أعقاب الانفجار العظيم منذ 13.7 مليار عام.

ووصف الباحث في الفيزياء الذرية والفضائية بجامعة هارفرد الأميركية د. محمد محمد زغر هذا الاكتشاف بمثابة "بداية لمرحلة جديدة من البحوث المتعمقة في فهم المادة وتشكلها الأولي". واعتبر أنه "سوف يخلق آفاقا جديدة للعلم وللعلماء، من شأنها أن تفتح المجال لفهم أوسع لنشأة الكون".

ويعتمد العمل في البحوث في مختبرات سيرن على نظرية الانفجار العظيم. وهي تقضي أن "الكون تمدد بسرعة من حالة المادة الأولية العالية الانضغاط، مما نجم عنه انخفاض ملموس في درجتيْ الكثافة والحرارة. وعقب ذلك مباشرة هيمنت المادة على ما يعرف بقرين المادة أو ضدها بسبب عمليات عدة نشأت خلالها أنواع متعددة من الجسيمات الأولية، وتلت هذه المرحلة بثوان برودة الكون لدرجة أدت إلى تكوّن نواة الذرة".

وقالت وزيرة البحث العلمي في ألمانيا، أن يتهشاف، "إن البحث عن بوزون هيغز استمر حتى الآن نحو خمسين عاما، ولكن ربما كان الكشف الذي أعلنه العلماء اليوم بمثابة تتويج لهذا البحث، لقد كوفئ العلماء على دأبهم وفضولهم العلمي".

ووصف مدير مركز ديسي الألماني للأبحاث الفيزيائية البروفيسور يواخيم منيش ما حدث بأنه "بمثابة اكتشاف القرن"، مضيفاً أن "أكثر ما يقنعني هو أن هناك مجموعتين من البيانات المنفصلة عن بعضها البعض قد توصلت إلى نفس الإشارة والتناسق في تجربتيْ أطلس و(سي أم أس)".

وكان العالم هيغز طور نظرية عام 1964 تقول إن هذا الجسيم يساعد على التحام المكونات الأولية للمادة، ويعطيها تماسكها وكتلتها. وتعد هذه النظرية بالنسبة لعلماء الفيزياء الفلكية بأهمية نظرية التطور بالنسبة لعلماء الأحياء.

يُشار إلى أن مصادم الهيدرونات الكبير يقع تحت جبال الألب على الحدود الفرنسية السويسرية، ويعمل فيه آلاف من علماء الفيزياء من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا، وهو يُعد أضخم آلة للأبحاث في العالم، واستمر بناؤه ربع قرن بتكلفة تقدر بنحو عشرة مليارات دولار.
___________________
* صحفي يمني متخصص في الشؤون العلمية

المصدر : الجزيرة