عالم يعرض جمجمة إنسان عاش قبل 1.8 مليون سنة، ويرى أنها تشبه جمجمة القرد (الأوروبية-أرشيف)

فداء ياسر الجندي

تقول العرب: الحديث ذو شجون، ولم أتوقع إطلاقاً أن يكون لحديثنا في المقالة السابقة عن نظرية دارون، تلك الشجون والذيول، ولم نتوقع أن يثير موجة من الهجوم العنيف على كاتب المقال وعلى الجزيرة التي نشرته، وأن نقرأ في التعليقات وفي بعض مواقع التواصل الاجتماعي اتهامات لنا ننقل بعضها حرفيا كما وردت:

"الجزيرة عادت لتنعق عن بطلان نظرية دارون"، و"الجزيرة تمارس دورها الفاعل بنشر هكذا خرافات"، و"لم يبطل حقيقة دارون أحد، العلم أثبتها، لا يمكن نقض أدلة علمية بفلسفة كلامية مثلما فعل كاتب الموضوع".

ومنها "للأسف لم أر في المقال ما يفيد، رؤية ساذجة للتطور وربط بينه وبين الإلحاد.. إنها أفضل الرؤى الممكنة للكون حاليا قد تبطل لاحقا أو لا"، و"نظرية داروين مثبتة بمائتي ألف بحث علمي.. عارٌ على قناة إخبارية تحترم نفسها بث الإشاعات والتشجيع على الخرافة.. الأوْلى القيام بقراءة الأبحاث العلمية ودحضها الواحد تلو الآخر قبل التسرع في الحكم".

ومنها "إنكار الكاتب لتطور الحيوان هو إنكار للعلم"، و"بخلاف عنوان مقالتك (نظرية دارون ثبت بطلانها)، فأنت لم تثبت بطلانها إطلاقاً، أنت فقط عرضت أفكارك وآراءك الشخصية الفلسفية".

وعلى هذا المنوال كان شطر من التعليقات والمنشورات يرفض محتويات المقال، ويتهم الكاتب والجزيرة بنشر الخرافات، وعدم الرجوع إلى الأبحاث العلمية، ونقض الأدلة العلمية بفلسفة كلامية، وكل ذلك دون نقاش علمي أو محاكمة عقلية، (إلا قلة قليلة جداً من الردود سنتناولها بعد قليل). ولا أرى وصفا ينطبق على مثل هذه الردود إلا أنها تنطلق من إرهاب فكري، لا من منهج علمي.

أقول بداية، ليست غايتي من العودة إلى هذا الموضوع والتعقيب على ردود بعض القراء أن أدافع عن الجزيرة أو عن نفسي، بل أن أدافع عن المنهج العلمي، وعن مصلحة القراء الكرام.

أما الدفاع عن مصلحة القراء، فذلك لأنهم قد يظنون أن سكوتنا عن الرد على ما جاءنا من تعليقات، تسليم بما جاء فيها، وإقرار بأن أصحاب التعليقات يتكلمون انطلاقا من علوم يقينية كما توحي بذلك ردودهم، فيكون مقالنا السابق قد حقق عكس المراد منه، ونعوذ بالله من أن نكون سببا في المساعدة على تثبيت الاعتقاد بهذه النظرية الباطلة.

دفاعاً عن المنهج العلمي

الأصل في النظريات أنها باطلة حتى تثبت، ولذلك قلنا حرفياً إن البراهين العلمية الساطعة أثبتت تهافت هذه النظرية تماماً
وأما الدفاع عن المنهج العلمي، فذلك لأن معظم الردود التي وصلتنا لا تعدو أن تكون تجريحاً واتهامات (وبعضها وصل إلى حد الشتيمة ولكن لم ننشره)، ولكنها تلبس لبوس العلم، ويدعي أصحابها أن نظرية دارون مثبتة علميا، وأن منكرها منكر للعلم وللمنهج العلمي وللعلماء، وأن المقالة السابقة فشلت في إثبات بطلانها.

ولمن قال إننا فشلنا في إثبات بطلان النظرية نقول: لم تكن غاية المقالة السابقة إثبات بطلانها، ولكن كان من غاياتها المطالبة بالبراهين على إثبات النظرية نفسها، فالأصل في النظريات أنها باطلة حتى تثبت، ولذلك قلنا حرفياً إن "البراهين العلمية الساطعة أثبتت تهافت هذه النظرية تماماً، ويمكن أن يجدها قراؤنا الكرام في الكثير من الكتب والمواقع المعنية".

غير أن الغاية الأهم من مقالتنا السابقة كانت أن لا ينجرف القراء العرب خلف من يرجعون إلى تلك النظرية في مقالاتهم وأبحاثهم معتبرين إياها أمرا بديهيا مثبتا لا يقبل النقاش، مع أنها لم تثبت، ثم ضربنا مثلا من الواقع العملي وهو نظام الطيران عند الصقور، وقلنا لهم: أثبتوا لنا أن هذا النظام نتج عن التطور، فكانت إجاباتهم ما قرأتم، وكل حجتهم أن هناك الآلاف من الأبحاث حول النظرية، وأنها معتمدة في المناهج الدراسية في الكثير من دول العالم، ولا سيما الغربي، وكفى بذلك برهانا!!

قل هاتوا برهانكم
آسف أيها السادة، لا يمكن أن نعتقد شيئا من دون برهان علمي، لقد تعلمنا المنهج العلمي من القرآن الكريم الذي طالبنا بأن لا نؤمن بشيء إلا إذا كان عليه برهان "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"، وأمرنا بأن نتفكر ونتدبر "أفلا تتفكرون"، "ويتفكرون في خلق السموات والأرض"، كما أمرنا بأن نطلق حواسنا في الكون ونبحث عن الآيات والبراهين "قل انظروا ماذا في السماوات والأرض"، وطلب منا أن لا نتبع إلا الحق والصواب، وأن لا نتبع الناس الآخرين بغير علم مهما كانت مكانتهم "وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا".

لذلك فإننا لا نسلم بأي نظرية علمية ما لم يكن لها برهان علمي ثابت مؤكد، هكذا علّمنا ربنا، ولا يهمنا  ما يقوله دارون أو غيره مهما كان عددهم كبيراً، وألقابهم مبهرة (دكاترة أو بروفيسورات)، وجامعاتهم متقدمة، ما لم يكن كلامهم مثبتاً بالأدلة العلمية والبراهين القطعية.

إن من يطالبنا بتصديق تلك النظرية يريد منا أن نصدق القصة القصيرة التالية: (كان يا ما كان في قديم الزمان، كان هناك أسماك في البحر لها زعانف وخياشيم، انحسر البحر عنها أو خرجت منه، فبقيت رغم ذلك على قيد الحياة بخياشيمها وزعانفها، ثم كان بعضها محظوظا فتعرض لطفرة جينية، وإذا بالزعانف تصبح أرجلاً، وبالخياشيم تتحول إلى رئتين، فنشأت أنواع جديدة من الزواحف، وما زالت تلك الزواحف تتعرض لطفرات على مر السنين، فنشأ منها ما لا يحصى من الكائنات، منها ما حوّل أرجلها إلى أجنحة فأصبحت طيوراً، ومنها ما أصبح زرافات وقردة وفيلة، حتى أصبح آخر أحفادها بشراً سوياً، يفكر ويخطط ويتكلم، ويحب ويكره ويغار، ويبتسم ويضحك ويبكي.. وتوتة توتة خلصت الحدوتة!!).

البعض يقول إن الزرافة تطورت من سمكة (أسوشيتد برس)

محاولات لردود علمية
وحتى نكون منصفين، لا بد أن نشير إلى الردود القليلة التي ذكرناها آنفاً، والتي حاولت إثبات النظرية بطريقة علمية، فهؤلاء أرسلوا مشكورين روابط لأفلام ومقالات ومحاضرات قالوا إن فيها أدلة قاطعة على صحة النظرية، منها مثلاً أن الشامبانزي والإنسان يشتركان في 90% من الجينات، وأن تطابق موضع بعض الجينات بينهما دليل على أن لهما سلفا واحدا. ونقول باختصار: لماذا لا يدل على أن لهما صانعا واحدا وخالقا واحدا؟ وأين هذا السلف المزعوم؟ ولماذا كان حظنا من الطفرات أن نصبح بشرا وحظ أبناء عمنا (الأبناء الآخرين لذلك السلف) أن يكونوا قرودا؟

وبعضهم قال: إن الحبل الصوتي في الزرافة طويل بلا مبرر بسبب طول رقبتها، وهذا يدل على أن أصلها سمكة وأنه استطال أثنا تطور رقبتها، ونحن نقول: وهل ينطبق الأمر على الجمل؟ إن قلتم نعم، فنقول: لماذا لم يطل حبله الصوتي مثل الزرافة مع أن رقبته طويلة؟، وإن قلتم لا فنقول: إذن ليس أصله سمكة، فما أصله؟ أليس هذا نقضا لنظريتكم؟

وبعضهم قال: إن خروج الفراشة من اليرقة نوع من أنواع التطور، فلماذا ننكر ذلك المبدأ؟ ونقول: وكذلك خروج الصوص من بيضة، وخروج الضفدع من الشرغوف، بل وخروج الإنسان من النطفة الأمشاج.. هذه يا سادة آليات متعددة للتكاثر، سبحان من أبدعها، وليست تطوراً.

هذه ردود موجزة جداً، ونعد القراء الكرام بالعودة إلى تفصيل أكثر حول هذه النقاط وحول غيرها مما يثيره أنصار هذه النظرية، في المقالات القادمة إن كان في العمر بقية.
__________________
* كاتب وباحث ومترجم سوري في تقنية المعلومات

المصدر : الجزيرة