مد جسور التواصل بين العلم والمجتمع.. حوار مع حائز على نوبل في الكيمياء

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

مد جسور التواصل بين العلم والمجتمع.. حوار مع حائز على نوبل في الكيمياء

فيرينخا يجل في العلماء توصيل وتبسيط العلوم لإبراز دور العلم وأهميته (الجزيرة)
فيرينخا يجل في العلماء توصيل وتبسيط العلوم لإبراز دور العلم وأهميته (الجزيرة)

حاوره/محمد السنباطي

برنارد لوكاس فيرينخا الشهير بـ"بين فيرينخا" هو عالم كيمياء هولندي وأستاذ في جامعة "خرونينغن" وحائز على جائزة نوبل الكيمياء عام 2016 عن إسهاماته في تخليق مركبات كيميائية تستخدم الطاقة الكيميائية لإنتاج حركة ميكانيكية، أو بكلمات أكثر بساطة تصنيع آلات نانوية بحجم أصغر بآلاف المرات من شعرة الإنسان.

الآلات الجزيئية التي طورها فيرينخا شملت جزيئات كيميائية تسير على أربع عجلات لدى تلقيها شحنة كهربائية لتعمل كسيارة نانوية، بجانب طاحونة هواء نانوية ومحركات جزيئية، الأمر الذي من شأنه استشراف آفاق علمية غير مسبوقة في العديد من المجالات.

وعن حصوله على جائزة نوبل ودوره كعالم في مد جسور التواصل بين العلم ومختلف فئات المجتمع أجرت معه الجزيرة نت هذا الحوار خلال فعاليات ملتقى لنداو السنوي لحائزي جائزة نوبل المنعقد في ألمانيا.

-كيف غير الحصول على جائزة نوبل حياتك؟
ما زلت أرى نفسي عالما بشكل أساسي، حيث أعمل في البحث العلمي والتدريس بالجامعة، لكن بالطبع هناك الكثير من التغييرات بعد الحصول على الجائزة، في مقدمتها الحصول على قدر كبير من الاهتمام الذي يشعرني أحيانا بأني شخصية عامة أو نجم مشهور، حيث أتلقى سيلا هائلا من الطلبات والدعوات للمشاركة في مؤتمرات وفعاليات سياسية واجتماعية وثقافية وتعليمية، لكن يجب علي اختيار ما يمكن قبوله من دعوات بعناية شديدة بسبب ازدحام جدول أعمالي.

أحب بشكل خاص الذهاب إلى المدارس في المراحل التعليمية المختلفة، فالأطفال واليافعون يكونون عادة متحمسين للغاية لدى مقابلتهم لي، وأحاول القيام بذلك مرة كل ستة أسابيع أو نحو ذلك، كما أرحب بالمشاركة في بعض الفعاليات السياسية المرتبطة بالعلوم، حيث تتاح لي فرصة مناصرة القضايا العلمية المختلفة.

ما زلت أستمتع بالعمل البحثي والذهاب إلى المعمل والقيام بالتجارب، حيث أعمل على عدد من الأبحاث المهمة، ولا أريد فقدان التركيز أو التخلي عن الأمر الآن

أيضا أحضر العديد من الفعاليات العلمية الأخرى المرتبطة بالصناعة والأعمال في مختلف الدول فأقوم بإلقاء بعض المحاضرات. بالطبع، كل هذا يقلل الوقت المخصص للطلبة الذين أعمل معهم مما يمثل مشكلة، لكن الجامعة توفر بعض المساعدة.

وما زلت أستمتع بالعمل البحثي والذهاب إلى المعمل والقيام بالتجارب، حيث أعمل على عدد من الأبحاث المهمة، ولا أريد فقدان التركيز أو التخلي عن الأمر الآن، خاصة مع قضاء وقت أقل لفعل ذلك، لذا يجب البحث عن التوازن المطلوب، وهو صعب للغاية ويتطلب مجهودا خاصا مع كل هذا الاهتمام الذي تحدثت عنه.

- من وجهة نظرك هل ترى أنه من الواجب على العلماء توصيل العلوم وتبسيطها؟
سأكون واضحا للغاية في هذا الصدد، يجب على العلماء القيام بذلك الأمر وبصورة أفضل، يجب علينا باعتبارنا علماء التواصل مع المجتمع بشأن العلم، بالإضافة إلى التعاون مع الصحفيين العلميين والمتخصصين في توصيل وتبسيط العلوم لإبراز دور العلم وأهميته، حيث إن هناك العديد من الأشخاص ليس لديهم أي فكرة عن أهمية العلم أو ضرورة تمويله، فالعديد يعتقدون أن كل تلك الأجهزة التي يستخدمونها بشكل يومي قد نشأت من الفراغ، ولا يعرفون أن وراء تلك الأجهزة خمسين أوستين عاما من البحث العلمي والتطوير.

لكن على الجانب الآخر، ليس كل العلماء مجهزين أو مؤهلين للعب هذا الدور، ويجب عليهم الحصول على تدريب لتنمية المهارات الخاصة بالتواصل وتوصيل العلوم.

وشخصيا كان لزاما علي تعلم كيفية التواصل مع الجمهور العام، حيث لم أكن أعرف كيفية الحديث مع الإعلاميين أو على شاشة التلفاز، لكن بالطبع يمكن تعلم هذه الأمور.

فيرينخا أثناء إلقائه إحدى محاضراته (الجزيرة)

وأعتقد أن الشباب الباحثين والعلماء لديهم قدرات أكبر لأداء تلك المهام لما يمتلكونه من مهارات للتواصل بجانب حصولهم على العديد من فرص التدريب، فعلى سبيل المثال الجامعة التي أعمل فيها توفر تدريبا للطلبة في مهارات التواصل وتوصيل العلوم إلى الجمهور غير المتخصص، لذلك يجب استغلال هذه الفرصة جيدا.

- كيف ترى العلاقة بين العلماء ورجال السياسة وصناع القرار؟
أعتبر أن التحدث مع الجمهور العام جزء من رسالة العالم، خاصة رجال السياسة وصناع القرار، فأحيانا نواجه مشكلة عدم وجود اهتمام من المجتمع أو الحكومات بالعلم، الأمر الذي يحتم علينا بذل مزيد من المجهود لمناصرة العلم كقضية.

لا أرغب في الانخراط بالعمل السياسي، لكن أرى أنه ينبغي علينا مخاطبة السياسيين وصناع القرار بشأن أهمية العلم وجدوى الاستثمار فيه

لا أرغب في الانخراط بالعمل السياسي، لكن أرى أنه ينبغي علينا مخاطبة السياسيين وصناع القرار بشأن أهمية العلم وجدوى الاستثمار فيه والعائد الذي يعود على المجتمع من ذلك.

في الآونة الأخيرة برز على الساحة في العديد من الدول بعض السياسيين الذين ليس لديهم أي فكرة عن العلم، حيث يدعون أن العلم مجرد آراء وليس حقائق مدعومة بأدلة وتجارب فأجيب عن ذلك متسائلا: هل الهاتف الذكي مبني على مجرد آراء؟ ظهر أول هاتف ذكي إلى النور منذ قرابة عقد من الزمن، لكنه مبني على اكتشافات علمية في مجالات الكيمياء والفيزياء تم التوصل إليها في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.

يجب على السياسيين فهم وإدراك أن العلم -من خلال الهاتف الذكي- غير مجتمعنا والطريقة التي نتواصل بها بشكل كامل، ويجب علينا باعتبارنا علماء أن نجعل هذا الأمر واضحا.

- هل ترى دورك باعتبارك عالما يقتصر على البحث العلمي فقط أم يتجاوزه إلى عالم الصناعة والأعمال؟
أعتقد أن البحث العلمي -خاصة في العلوم الطبيعية الأساسية- هو البداية الحقيقة لتطوير الصناعة، دائما أقول "حافظ على الأساس صلبا كي لا ينهار ما تشيده من بناء" أو بعبارة أخرى فإن الحفاظ على أساس قوي من البحث العلمي سيمنح الصناعة ما يلزمها لتطوير تطبيقات ومنتجات جديدة ويمنعها من الانهيار.

مهمتنا الأساسية باعتبارنا علماء القيام باكتشافات علمية جديدة يمكن للصناعة تطويرها والقيام بكافة الخطوات اللازمة لتحويلها إلى منتجات يمكن استخدامها، الأمر الذي قد يستغرق وقتا طويلا كما حدث مع الهاتف الذكي على سبيل المثال.

حين أرى فرصة لتطوير تطبيق أو منتج لأحد الاكتشافات أتعاون مع الصناعة مباشرة أو أؤسس شركة ناشئة

أنا لا أرى الأمر كاختيار بين البحث العلمي أو الصناعة أحدهما دون الآخر، فالبحث العلمي يحتاج إلى الصناعة للتطوير والقيام بالخطوات التالية، والصناعة في حاجة ماسة إلى البحث العلمي للحصول على الأفكار والرؤى الجديدة.

وباعتباري عالما أسجل براءات اختراع لاكتشافاتي العلمية، وحين أرى فرصة لتطوير تطبيق أو منتج لأحد الاكتشافات أتعاون مع الصناعة مباشرة أو أؤسس شركة ناشئة.

وهذا ما فعلته، حيث خرجت من عالم البحث العلمي وتعاونت مع الصناعة في مجال المحفزات الكيميائية، كما أسست شركة ناشئة وأشجع طلبتي على القيام بذلك أيضا، خاصة مع وجود العديد من الفرص لذلك في مجال تخصصي وهو الكيمياء.

- ما هي أهم القضايا المجتمعية التي تناصرها وتدعمها؟
عقب حصولي على جائزة نوبل قررت إعطاء أولوية لمناصرة قضايا العلم والتعليم، حيث أرى أنه من واجبي إبراز أهمية كليهما بالنسبة للعالم، أدعم فكرة تحويل الجامعات إلى ما يشبه ساحة لعب ولكن للعلوم والاكتشافات، فأنا أؤمن بذلك بشدة، حيث يجب إعطاء الفرصة والمساحة للطلاب والطالبات لابتكار أفكار جديدة وللقيام بالاختراعات وتجاوز حدود العلم الذي نعرفه الآن.

قد يشبه الأمر روضة الأطفال قليلا، لكن جزءا كبيرا من مهمة الجامعة هو إعطاء أولئك الطلبة الفرصة لاستكشاف المجهول، فقد يتوصلون لشيء ما يمكنه تغيير العالم بعد خمسين عاما.

- أخيرا، كيف ترى مستقبل البشرية ودور العلماء فيه؟
يتوقع أن يبلغ عدد سكان الكوكب قرابة تسعة مليارات في غضون عقدين أو ثلاثة، ويجب علينا الحرص على توفير حياة كريمة لكل هؤلاء، وهناك العديد من التحديات التي تواجهنا ويجب علينا التفكير في حلول لها، مثل ناقلات الطاقة ووقود المستقبل للتحول من البترول إلى حلول أخرى أكثر استدامة، إلى جانب تطوير تقنيات جديدة للبطاريات والسيارات الكهربائية، وتوفير المياه النظيفة وإعادة تدوير المخلفات بشكل أفضل.

لذلك، فإن الشباب الباحثين والعلماء اليوم هم من سيقومون بتشكيل مستقبلنا عبر اكتشافاتهم واختراعاتهم لإيجاد حلول لتلك المشاكل وإحداث ثورات في العلم والصناعة.

المصدر : الجزيرة