الارتهان لبوتين.. وصمة ترامب التي ألصقها بميركل

الارتهان لبوتين.. وصمة ترامب التي ألصقها بميركل

ترامب وميركل عقدا لقاء الأربعاء على هامش قمة الناتو في بروكسل بعد ساعات من تبادلهما الانتقادات (رويترز)
ترامب وميركل عقدا لقاء الأربعاء على هامش قمة الناتو في بروكسل بعد ساعات من تبادلهما الانتقادات (رويترز)

سيد أحمد الخضر

ربما تقتضي الحيطة أن يتجنب الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتهام أي زعيم في العالم بالارتهان لموسكو، لأن ذلك قد يغري منتقديه بتذكيره بالتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية لترجيح كفته إلى حد أن خصومه يصفونه بدمية فلاديمير بوتين.

لكن ثقافة تلفزيون الواقع التي قذفت بالرجل إلى عالم السياسة، لا تعترف أصلا بأهمية التروي والتريث والتنقيح، إنما تعرض للناس الأشياء والأفكار على حقيقتها بعيوبها ونواقصها.

لذلك، لم يتردد ترامب في شن هجوم حاد على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، واتهام حكومتها بالارتهان لنفوذ روسيا ومساعدتها على الثراء.

وفي تصريحات أدلى بها اليوم الأربعاء على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في بروكسل، قال ترامب إن ألمانيا خاضعة بالكامل لسيطرة روسيا.

ولم يتوقف عند هذا الحد إنما أراد نكء جراح الألمان وذكّرهم بالاحتلال السوفياتي بالقول إنهم يدفعون "مليارات الدولارات لروسيا لتأمين إمداداتها بالطاقة، وعلينا الدفاع عنهم في مواجهة روسيا".

هذا الهجوم يكتسي طابعا خاصا بالنسبة لميركل لأنها تنحدر من برلين الشرقية وقد نشأت ودرست تحت الاحتلال السوفياتي، ولذلك تتحدث إلى بوتين بأريحية ومن دون ترجمان.

على الفور، ردت ميركل على اتهامات ترامب بالقول إن لحكومة ألمانيا نهجا سياسيا يخصها، وإنها تتخذ قراراتها بشكل مستقل.

تحمل ميركل الدكتوراه في العلوم الفيزيائية، وقد تدرجت في المناصب السياسية قبل أن تمسك بمقاليد الحكم بوصفها أول سيدة تشغل منصب الاستشارية في ألمانيا يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2005.

إذن، ربما منعتها خلفيتها السياسية والأكاديمية من التحدث بلغة تلفزيون الواقع لتكتفي بالقول إن حكومتها مستقلة في نهجها وقراراتها.

صنيعة بوتين
بيد أن التأكيد على الاستقلال يبدو ردا قويا في هذا السياق، إذ غالبا ما تلمز الأوساط السياسية في ترامب بأنه رهينة لبوتين، وأنه هو من أوصله للبيت الأبيض عبر عبث القراصنة الروس بحملة غريمته الديمقراطية هيلاري كلينتون في انتخابات 2016.

هذا التدخل أكدته جميع وكالات الاستخبارات الأميركية، مما قاد إلى فتح تحقيق فيما إذا كانت حملة ترامب تواطأت مع التدخل الروسي في الانتخابات.

وقد أطاح التدخل الروسي في البداية بمستشار ترامب للأمن القومي مايكل فلين، وأرغم وزير العدل الحالي جيف سيشنز على استشعار الحرج وطلب إعفاءه من الإشراف على التحقيق كونه هو نفسه متهما بالتواصل مع الروس أثناء الحملة الانتخابية.

ترامب عبّر في أكثر من مرة عن إعجابه ببوتين قبل وصوله للبيت الأبيض والتقى به لاحقا في قمم دولية (غيتي)

وفي العام 2017 اتُهم ترامب بإطلاع الروس على معلومات استخبارية حساسة حصلت عليها واشنطن من أحد حلفائها، مما أثار غضب دول أوروبية وشرق أوسطية إلى حد أن بعضها هدد بوقف التعاون الاستخباري مع الأميركيين.

وقد اكتسب التدخل الروسي زخما كبيرا في الولايات المتحدة منذ أن تولى رئيس الاستخبارات المركزية الأميركية (أف بي آي) السابق روبرت مولر التحقيق في هذا الملف، إذ قادت تحقيقاته لسجن بعض رموز حملة ترامب وتوجيه التهم لبعضهم ومواصلة استجواب آخرين.

ساحات النفوذ
هذا عن الداخل الأميركي. وفي ساحات النفوذ الخارجية يواجه ترامب أيضا وصمة الخضوع للدب الروسي، مما جعل واشنطن تبدو حريصة على تجنب استفزاز موسكو على الأرض.
 
في سوريا، واصل الروس ضرب المعارضة السورية إلى أن سحقوها بالكامل وأرغموها على تسليم السلاح في أكثر من محافظة، في وقت اكتفت فيه واشنطن بالتفرج على المشهد في الغالب رغم أنها كانت تسلح الثوار وتتمسك بإسقاط نظام بشار الأسد
تحقيقات مولر بشأن التدخل الروسي في الانتخابات تشكل ضغطا سياسيا على ترامب (رويترز)

كذلك، يقول بوتين كلمة الفصل في شبه جزيرة القرم وفي شرق أوكرانيا، وعلى واشنطن وحلفائها الإصغاء فقط أو استعارة مفردات من معجم جامعة الدول العربية للشجب والتنديد.

ومع أن بوتين لم ينفذ أيا من مطالب الغرب، فاجأ ترامب حلفاءه خلال الشهر الماضي بالقول إنه يجب عودة روسيا لمجموعة الثماني التي طردت منها ردا على ضمها لجزيرة القرم في 2014.

لعل ترامب لم يستحضر اليوم أن ميركل هي أكثر زعماء الدول الغربية رفضا لعودة موسكو لنادي "جي 8" قبل أن تقدم تنازلات بشأن الأزمة في أوكرانيا.

قمة هلنسكي
ومن المتوقع أن يجتمع الرئيسان فلاديمير بوتين ودونالد ترامب يوم 16 يوليو/تموز الجاري في هلنسكي لبحث القضايا الثنائية ومختلف الملفات الدولية الشائكة.

وبينما حذرت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا من المبالغة في نتائج القمة، اعتبر الحزب الديمقراطي الأميركي أنها هدية لموسكو، معبرا عن مخاوفه من تقديم ترامب تنازلات لبوتين.

وفي تقرير عن القمة، تحدثت مجلة إيكونوميست عن صدمة في واشنطن إزاء تقرير كشف أن ترامب طلب أن يلتقي بوتين على انفراد، مما يعني حذره الشديد من أي شخص قد يشهد على ما يدور في اللقاء.

ووفق الصحيفة فإن قمة هلنسكي على النقيض من لقاءات الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغن وزعيم الاتحاد السوفياتي ميخائيل غوربتشوف في الثمانينيات حيث بدت حينها بمثابة محدثات استسلام بين الولايات المتحدة الصاعدة وخصمها الجريح.

ووفق الصحيفة فإن قلق الوسط السياسي في واشنطن من القمة له ما يبرره لأن ترامب يفضل أن يكون ليّنا مع بوتين لكنه يتظاهر بالصلابة إزاء التعاطي معه في حديثه لوسائل الإعلام.

المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع إلكترونية,الصحافة الأميركية