نقش الحناء في المغرب.. أذواق وأرزاق

نقش الحناء في المغرب.. أذواق وأرزاق

عزيزة بوعلام-الدار البيضاء

بإيقاع رتيب لحركة يدها الضاغطة بحرفية على قمع الحناء البلاستيكي، تنهمك كوثر رابح في رسم نقوش دقيقة وجذابة بالحناء على ظهر كف طفلة صغيرة بدت مستسلمة لها بل مستمتعة.
 
عشر دقائق هو المعدل الزمني لكوثر في تحويل أيادي طفلات إلى لوحات بديعة تتشابك فيها الخطوط والرسوم ببراعة ودقة متناهية، قبل أن ترشها بقطرات من عصير الليمون قالت "إنها تساهم في تثبيت لون ونضارة النقوش".
محترفات الرسم بالحناء علامة مميزة من علامات الفضاءات العمومية والمناطق الأثرية في المغرب (الجزيرة نت)

أشكال وأنواع
وتتزاحم صبيات وطفلات وحتى نسوة في الأيام الأخيرة من شهر رمضان لتزيين أيديهن برسوم من الحناء، وتجتهد "النقاشات" -كما يطلق عليهن في المغرب- في إبداع أحدث الأشكالها والأنواع، وتختلف الأسعار حسب ما يحتاجه كل نقش من جهد ووقت وإبداع.

كوثر الطالبة بجامعة الحقوق تتخذ النقش بالحناء هواية تسليها، وفي الوقت نفسه توفر لها دخلا لا بأس به يمكنها من تمويل دراستها وإعالة أسرتها، ولخبرتها الطويلة تعرف أن الأشكال الأكثر طلبا هي الرسوم الهندسية والأزهار والفراشات وأشكال الحروف والزخارف، وحتى كتابة الأسماء على باطن اليد مع الرسم.

لا تأبه هذه الفتاة العشرينية لعلامات التعب التي ظهرت على وجهها إثر انهماكها لساعات طويلة في تزيين أيادي الفتيات من مختلف الأعمار. كانت سعادة خالصة تجلل وجهها الأسمر أمام تهافت الزبونات عليها في الركن المخصص لفعالية حفل الحناء، بساحة السراغنة الشهيرة بحي درب السلطان، أكثر أحياء مدينة الدار البيضاء كثافة وشعبية.

وتقيم مختلف البلديات بالمغرب حفلات حناء للطفلات في الهواء الطلق، في إطار طقوس احتفاء الأسر بليلة القدر التي تصادف يوم الـ27 من رمضان، وكذا استعدادا لعيد الفطر، وتتراوح أسعار عمل هؤلاء "النقاشات" بين دولار وخمسة دولارات لليد الواحدة، حسب نوع وشكل الرسوم المطلوبة.

"النقاشات" يستثمرن الأيام الأخيرة من رمضان حيث يكثر الرواج (الجزيرة نت)

علامة مميزة
تتحدث كوثر بفرح، وهي تحشو القمع بخليط من مسحوق حناء تعبق رائحته بالمكان، عن الحناء التي تمارس نقوشها منذ أكثر من تسع سنوات، وكيف نمت موهبتها وتحولت إلى عمل يدر عليها ربحا جيدا.

فموهبة نقش الحناء ليست مجرد مهنة بسيطة تلجأ إليها بين الفينة والأخرى، بل هي قصة شغف قالت "إنها استمدتها من حبها للرسـم".

وفي مكان قريب من فضاء قصبة الأوداية بالعاصمة الرباط تجلس ثريا الهادي، وهي واحدة من اللاتي اتخذن الرسم بالحناء مهنة لهن، إلى جانب عشرات من زميلاتها. يحملن أواني صغيرة من الحناء وحقنا طبية يملأنها بالحناء، ويعرضن على العابرات أن يزين أكفهن بنقوش سريعة.

أصبحت "محترفات" الحناء علامة مميزة من علامات الفضاءات العمومية والمناطق الأثرية في المغرب، ولهن روادهن من مختلف الأعمار. حيث ينتظرن لساعات في طوابير من أجل تزيين أيديهن، إذ يعد ذلك طقسا أساسيا لا تكتمل فرحة العيد إلا به.

تجارة الحناء بالمغرب تبلغ قيمتها نحو ثلاثة ملايين دولار (الجزيرة نت)

طقس رمضاني
جربت ثريا بيع المناديل الورقية، واستقرت أخيرا على عملها الحالي الذي تعد نصفه حرفة ونصفه الآخر فنا، ونجحت في أن تجد لها موطئ قدم في هذه المهنة، حيث تتزاحم صاحباتها في الساحات العامة في الأيام الثلاثة الأخيرة من رمضان لأنها "ليال ذهبية" يرتفع فيها الطلب.

بدورها تعبر الفتاة العشرينية أسماء الحر عن سعادتها وهي جالسة وقد أسلمت كفها "للنقاشة" ثريا تتأمل حركتها السريعة التي ترسم بها أشكالا فنية جميلة على يدها، ففرحتها "لا تكتمل بهذه الأيام المباركة إلا إذا زينت يديها وقدميها بنقوش الحناء". وتقول للجزيرة نت إنها منذ طفولتها وحتى الآن ما زالت هذه العادة محببة إلى قلبها.

تستقبل كل واحدة من العاملات في هذا المجال بين 20 و40 امرأة في الليلة الواحدة، بمتوسط دخل يفوق 400 درهم (نحو 40 دولارا). وتحكي نقوش الحناء على أيدي الزبائن، قصة تطور هذا الفن كتقليد قديم يرتبط في مخيلة المغاربة بـالبركة. وتختص كل منطقة بالمغرب بنقوش حناء معينة تأخذ اسمها، مثل النقش الفاسي والرباطي والصحراوي والمراكشي.

وتعد الحناء من مواد التجميل الطبيعية، ومن عناصر الزينة التي يلجأ إليها المغاربة في المناسبات، مما ينعش سوقها بشكل غير مألوف.

ووفق معطيات رسمية، فإنتاج الحناء بالمغرب يبلغ 19 ألف قنطار سنويا (القنطار يساوي 100 كيلوغرام)، ويضخ في السوق نحو 30 مليون درهم (ما يعادل ثلاثة ملايين دولار). وتستهلك الحناء المحلية بنسبة 90%، بينما 5% تخضع للطحن والتعليب.

المصدر : الجزيرة