الجزائر.. هل تردع القوانين تخلي الأبناء عن الآباء؟
آخر تحديث: 2018/6/14 الساعة 17:04 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/30 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/14 الساعة 17:04 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/30 هـ

الجزائر.. هل تردع القوانين تخلي الأبناء عن الآباء؟

الأمين العام لولاية البليدة يزور المقيمات بدار للمسنين بعد أنباء عن تعرضهن لسوء المعاملة (أمانة الإعلام بولاية البليدة)
الأمين العام لولاية البليدة يزور المقيمات بدار للمسنين بعد أنباء عن تعرضهن لسوء المعاملة (أمانة الإعلام بولاية البليدة)
أحمد مروان-الجزائر

"نأكل بالصراخ وننام بالصراخ، ونجبر على النوم باكرا، ومن تتأخر في النزول إلى قاعة الطعام تعاقب بحرمانها من الأكل، ومن تتأخر لدقيقة عن موعد الإفطار ستحرم منه لباقي اليوم".

بهذه العبارات القاسية لخصت جميلة، وهي إحدى المقيمات بـ"دار الآمال" لإيواء المسنين في ولاية البليدة (50 كلم جنوب غرب العاصمة الجزائر)، حالها وحال المقيمات معها بالمركز، والسبب سكرتيرة المدير التي يقلن إنها "حولت يومياتهن لجحيم لا يطاق".

معاناة "جميلة" ورفيقاتها فجّرت موجة من السخط والغضب بعد أن تناقل نشطاء عبر شبكات التواصل الاجتماعي في الثالث من ديسمبر/كانون الأول الماضي شهادات ترصد ما يتعرضن له من تعنيف ولا مبالاة وإهمال في مركز الرعاية من طرف سكرتيرة المدير التي لم يمر على تعيينها أكثر من شهر واحد، لكنه كان كافيا لتحويل حياتهن إلى جحيم يومي.

وهذا ما دفع بالعديد من المسنات إلى الشارع خوفا من بطش السكرتيرة، حيث بقين من دون إيواء لأيام يفترشن الشارع ويتدثرن بالبرد القارص.

الشهادات المؤلمة والصادمة لجميلة وزميلاتها تسببت في طرد السكرتيرة بعد تأكيد لجنة تحقيق صحة التجاوزات التي نقلها النشطاء، مع تعيين موظف جديد لتسيير شؤون الإقامة، وإصدار أوامر بتزويد المركز بالمؤونة والألبسة، مع إعادة تأهيل المركز بشكل كامل.

تجاوزات واعتداءات
وفي الواقع، فإن هذه الحادثة لا تعد الوحيدة، ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي تناقل نشطاء أيضا صورا لمسنين قيل إنهم تعرضوا للضرب في أحد مراكز الرعاية بمحافظة أم البواقي شرق العاصمة الجزائر.

دار الآمال لرعاية الأشخاص المسنين بولاية البليدة الجزائرية

وإذا كان التعنيف والإهمال سمة بعض دور رعاية المسنين، فإن ما تقدمه مراكز أخرى يلقى قبولا كبيرا وترحيبا واسعا، ومثال ذلك مركز الأشخاص المسنين بمحافظة سكيكدة، الذي يقدم -حسب العايب العمري وهو ناشط بأحد الأفواج الكشفية التي تتعامل مع المركز- خدمات في المستوى من حيث الاهتمام الصحي والنفسي ومستوى الإطعام، وغير ذلك من الأمور المتعلقة باهتمامات وحاجات المقيمين.

وكشف العايب لـ"الجزيرة نت" أن "ثمة العديد من المؤسسات والجمعيات الخيرية التي تغمر نزلاء المركز بعطائها وسخائها على مدار العام، كما يفيد المسنون من رحلات ميدانية يقضون من خلالها على الروتين داخل المركز".

وينظر الجزائريون بعين الريبة وعدم الرضا إلى هذه المراكز التي يسمونها "دور العجزة"، ويرون أن الجزائري الأصيل لا يمكنه أن يزج بوالديه فيها.

غير أنه حسب الإحصاءات الرسمية لوزارة التضامن، تحصي الجزائر نحو 36 مركزا عبر مختلف مدنها، 30 منها تسيرها الحكومة والباقي تسير بالتنسيق مع جمعيات خيرية، ويبلغ عدد المقيمين بها 1673 مسنا حسب آخر إحصاء للأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري، بعد أن كان عددها يتجاوز 1950 مركزا عام 2017.

ويمثل المسنون حسب وزير التخطيط الأسبق بشير مصيطفى في حديثه لـ"الجزيرة نت" 7% بمجموع 5.2 ملايين نسمة من مجموع السكان، وتوقع أن يرتفع العدد إلى الضعف مطلع 2050.

وقد سن القانون الجزائري مجموعة من التشريعات لحماية المسنين وضمان عيشهم داخل الوسط العائلي متمتعين بكرامتهم ومكانتهم، ويحارب كل أشكال التخلي عنهم بعقوبات تصل للسجن، لكن لم يقض ذلك على الظاهرة التي لا تمت بأي صلة لقيم وعادات الجزائريين.

حسان براهمي: الأبناء ملزمون قانونا بالنفقة على آبائهم المسنين

النفقة أو السجن
ويوضح المحامي حسان براهمي أن "الأبناء أمام العدالة مطالبون بالنفقة على الأولياء"، لكنه يبين لـ"الجزيرة نت" أن "مثل هذه القضايا في المحاكم الجزائرية قليلة، لأن بعض الآباء يفضلون الموت جوعا على متابعة أبنائهم العاقين".

ويقول إن "نفقة الآباء المسنين والذين لا يملكون دخلا أو دخلهم ضعيف واجبة على أبنائهم وفقا للمادة 77 من قانون الأسرة"، واستطرد قائلا "النفقة تؤدى للوالدين في أي مكان كانا، ونفقة الأم وسكناها واجبة على الابن، وتشمل النفقة الغذاء والكسوة والعلاج والسكن، وما يعد من الضرورات في العرف والعادة".

وفي "حال امتناع الابن العاق عن التسديد وبعد تبليغه الحكم، بوسع الوالد تقديم شكوى ويقدم موقوفا أمام المحكمة ويكون عرضة للسجن ثلاث سنوات حبسا نافذا عن تهمة عدم تسديد نفقة".

كما سن المشرع الجزائري -حسب براهمي- "أحكاما جزائية تؤكد أن كل من ترك مسنا وعرضه للخطر يعاقب بنفس العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات، ويدخل ضمن معنى الترك التخلي عن الأصول في دور العجزة حيث أكدت المادة 32 من هذا القانون على تطبيق العقوبات الواردة في المادة 34 المتمثلة في الحبس من ستة أشهر إلى ثمانية عشر شهرا في حالة عدم نجاح الصلح بين المسنين وفروعهم".

المصدر : الجزيرة