انتخابات العراق.. من حرق الصناديق؟
آخر تحديث: 2018/6/11 الساعة 17:54 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/27 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/11 الساعة 17:54 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/27 هـ

انتخابات العراق.. من حرق الصناديق؟

الحكومة العراقية وصفت حرق الصناديق بالمتعمد وفتحت تحقيقا في ملابساته (رويترز)
الحكومة العراقية وصفت حرق الصناديق بالمتعمد وفتحت تحقيقا في ملابساته (رويترز)

أمين محمد حبلا-الجزيرة نت

قطعت ألسنة اللهب حديث التوقعات السياسية في العراق، وغطت على تخمينات التحالفات السياسية والبرلمانية، ولئن تمكنت فرق الدفاع المدني من إخماد النيران فقد غطت غمامة أخرى من دخان الجدل والالتباس على المشهد العراقي برمته في ظل حالة استقطاب وتنازع تصاعدت بعد الانتخابات الأخيرة.

وجاء الحريق في ظل تشكيك متنام من أطراف سياسية في نتائج الانتخابات، وتأكيدات رسمية على حصول عمليات تزوير، ودعوات متصاعدة لإعادة فرز الأصوات، وهو ما ألقى مزيدا من الشكوك بشأن حادثة الإحراق وطبيعة الجهة أو الجهات التي تقف خلفها، وما الذي أرادت إخفاءه تحديدا؟

وكان البرلمان العراقي قرر -قبيل الحريق- تجميد عمل مفوضية الانتخابات، وتسمية تسعة قضاة للإشراف على العد والفرز لأكثر من عشرة ملايين صوت بشكل يدوي بعدما قالت الحكومة وكتل سياسية إن الانتخابات رافقتها "خروق جسيمة".

وجاء قرار البرلمان بعد يوم واحد فقط من إعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أن اللجنة المكلفة من مجلس الوزراء كشفت حالات تزوير لا يمكن السكوت عليها في بعض مراكز الاقتراع أثناء إجراء الانتخابات، وحمل مفوضية الانتخابات المسؤولية الكاملة عن ذلك.

ما الذي حدث؟
وقع الحريق في موقع تابع لوزارة التجارة خزنت فيه مفوضية الانتخابات صناديق الاقتراع في حي الرصافة الذي يمثل نصف أصوات بغداد، وبغداد هي أكثر المحافظات العراقية سكانا ويبلغ نصيبها 71 مقعدا من إجمالي مقاعد البرلمان البالغ عددها 329.

وقال اللواء سعد معن إن الموقع كان مقسما إلى أربعة مخازن، وإن أحدها -الذي يحوي المعدات الإلكترونية والوثائق- هو الذي احترق فحسب.

وحل تحالف "سائرون" المدعوم من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في المرتبة الأولى بـ54 مقعدا من أصل 329، يليه تحالف الفتح المكون من أذرع سياسية لفصائل الحشد الشعبي بزعامة هادي العامري بـ47 مقعدا.

وبعدهما حل ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي بـ42 مقعدا، في حين حصل ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي على 26 مقعدا.

مخطط خطير
واعتبر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي حرق موقع لتخزين صناديق الاقتراع في بغداد "مخططا لضرب البلد ونهجه الديمقراطي"، وأمر الأجهزة الأمنية بفتح تحقيق، في حين دعا رئيس مجلس النواب سليم الجبوري إلى إعادة الانتخابات.

وأمر العبادي الأجهزة الأمنية بتشديد الحراسة على مخازن حفظ صناديق الاقتراع، متوعدا بملاحقة ما وصفها بـ"العصابات الإرهابية التي تحاول العبث بالأمن والانتخابات".

من جهته، قال رئيس اللجنة العليا المستقلة للانتخابات رياض البدران إن الصناديق التي تحتوي على بطاقات الاقتراع سلمت من الحريق الذي شب في المخازن التي أودعت فيها بالعاصمة بغداد.

وقال رئيس مجلس النواب سليم الجبوري -الذي فقد مقعده البرلماني في الانتخابات الأخيرة- إن الحريق الذي أتى على مخازن في منطقة الرصافة في بغداد يهدف إلى إخفاء حالات التلاعب وتزوير الأصوات وخداع الشعب بشكل متعمد وخطير.

من جانبه، جدد إياد علاوي رئيس ائتلاف الوطنية الانتخابي نائب رئيس الجمهورية دعوته الأطراف السياسية العراقية لتشكيل حكومة تصريف أعمال تعمل على إجراء انتخابات تشريعية جديدة بعيدة عن التزوير.

وقال رئيس الهيئة السياسية للتيار الصدري ضياء الأسدي إن "حريق مخازن بغداد عبث بمقدرات العراق".

وأضاف الأسدي للجزيرة أن هناك خروقا حصلت في الانتخابات العراقية، لكنها لا تستدعي إعادتها.

وأكد أن من عمد إلى إحراق أجهزة التحقق وأماكن وجود بيانات الانتخابات يهدف إلى أمرين: إما إلغاء الانتخابات، أو إتلاف بطاقات الحشو التي عدت ضمن نتائج الانتخابات، والتي كان رئيس مفوضية الانتخابات المعزولة من قبل البرلمان قد حذر من وجود مئات آلاف منها قبل يومين.

من الفاعل؟
فتحت الحكومة العراقية تحقيقا في حادثة الحرق "المتعمدة" لصناديق الاقتراع ووعدت بكشف الضالعين فيها، وذلك في ظل اتهامات هنا وهناك تطال أكثر من جهة في ظل توقعات أن يؤدي الحادث إلى مزيد من تعقيد الوضع السياسي ويباعد بين الفرقاء السياسيين في العراق.

وتتجه أصابع الاتهام في حادثة الحريق -وفقا للباحث العراقي إحسان الشمري- إلى الذين تدور بشأنهم شبهات تزوير، خصوصا بعد مضي مجلس الوزراء في إجراءات كشف حالات التزوير بما فيها الخروقات التي حدثت في تصويت الخارج، وكذلك التصويت الخاص، تصويت النازحين، وفي بعض المراكز ببغداد وسط وجنوب العراق وحتى في بعض المحافظات بغربي العراق.

ويضيف الشمري في تصريح للجزيرة نت أن ما سبق يبين بما لا يدع مجالا للشك أن هذه الجهات باتت تخشى من إعادة العد والفرز، خصوصا بعد انتداب تسعة قضاة للمباشرة.

ويخلص إلى أنها محاولة لخلط الأوراق، وسعي إلى تعطيل مساعي كشف الحجم الحقيقي لهذه الجهات السياسية وما حصلت عليه من خلال عمليات التزوير التي رافقت الانتخابات.

واتهم آخرون من وصفوهم بلصوص السياسة، ووصف مدون الأمر بأنه "تماس ديمقراطي ينهي صناديق الاقتراع ويقضي على العد والفرز ويخفي آثار المزورين وينعش طموح الخاسرين".

واختار المدون عمر الجنابي التأكيد على أن حريق المفوضية ليس أول حرائق العراق، فقبله احترقت الأرواح والأنفس "العالم لا يدرك حتى الآن أن #العراق وشعبه تتحكم بهم مافيات وعصابات ترتدي عباءة السياسية والدين والعلمانية والديمقراطية وكل ما من شأنه إيصالهم إلى مقاليد السلطة والحكم وخزانة الأموال، أصوات العراقيين كأرواحهم وأموالهم تم إحراقها وتزويرها من قبل ذلك".

ورأت أخرى أن "النيران الصديقة في العراق دائما هي الحل لكل مشاكل المزورين والمرتشين والمختلسين حقوق هذا الشعب".

ويحبس العراقيون أنفاسهم في انتظار معرفة الجهة التي حاولت إضرام النيران في صناديق الاقتراع، خصوصا أنها المرة الأولى التي يتم فيها إحراق الصناديق الانتخابية خلال المواسم الانتخابية التي ارتبطت في أذهان العراقيين بارتفاع أعمال العنف وتفاقم الاضطرابات.

ورغم تعدد التكهنات والتحليلات ما زالت كلمة الفصل في انتظار ظهور النتائج الرسمية، خصوصا مع تأكيد وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي أن الحريق "متعمد" وتم بفعل فاعل، وأنه يتابع التحقيق شخصيا مع فريق الأدلة الجنائية واللجنة التحقيقية الخاصة بالحادث.

وفي انتظار انجلاء الصورة تبقى قصة بغداد مع الحرائق كتاب حزن لا ينتهي دائم الفيضان كدموع دجلة، ومع ألسنة اللهيب وغمائم الدخان ترتفع قامات وعمائم وتبرز وجوه سياسية ويتشكل مشهد سياسي سرعان ما تحرقه أزمة أو يغرقه فيضان سياسي في عراق دائم السعي نحو استقرار يأبى أن يولد.

المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع التواصل الاجتماعي