سجن "هشارون" الإسرائيلي رواية بلسان طفلة أسيرة

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

سجن "هشارون" الإسرائيلي رواية بلسان طفلة أسيرة

الغليظ روت ما تعرضت له من سوء معاملة من قبل جنود الاحتلال (الجزيرة نت)
الغليظ روت ما تعرضت له من سوء معاملة من قبل جنود الاحتلال (الجزيرة نت)
ميرفت صادق-رام الله

قبل أيام، عادت ذكرى الاعتقال لتحيي أياما صعبة في مخيلة الطفلة الفلسطينية ملاك الغليظ من مخيم الجلزون قرب مدينة رام الله، وهي التي قضت ثمانية شهور في السجون الإسرائيلية العام الماضي، وتذكرت كيف أخرجت إلى المحاكم في "بوسطة الزنازين المتنقلة" أربع مرات في شهر رمضان، وخضعت للمحاكمة ليلة العيد.

أفرج عن ملاك في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وكانت اتُّهمت بمحاولة طعن جنود إسرائيليين على حاجز قلنديا العسكري (شمال القدس المحتلة) قبل عام من الآن.

تروي ملاك (15 عاما) لحظة اعتقالها عندما هاجمها جنود الاحتلال ورشوا عليها "غاز الفلفل" الخانق، وكانت بعيدة عنهم عدة أمتار، ولم تصب أيًّا منهم. ونقلت إلى التحقيق بمعسكر للجيش الإسرائيلي، وهناك تعرضت لإهانات الجنود والتصوير بهواتفهم من ساعات الظهر وحتى 11 ليلا، وكانت يداها مقيدتين.

وذكرت أن المحققة كانت تهددها بالحكم العالي، ومنع زيارة عائلتها بعد اتهامها "بحيازة سكين ومحاولة قتل جنود"، وهو ما أنكرته. قبل أن تنقل ليلا إلى سجن هشارون للأسيرات الفلسطينيات الواقع في الطريق إلى مدينة حيفا شمالي فلسطين المحتلة عام 1948.

لدى وصولها كان القسم المخصص للأسيرات القاصرات ممتلئا، وكانت أصغرهن. ومنهن من تقضي حكما بالسجن لأكثر من عشر سنوات، مثل ملك سلمان ومنار شوبكي ولمى البكري المصابة بثلاث رصاصات في قدمها. ونقلت إلى قسم آخر فيه أسيرات اعتقلن بعد إصابتهن بالرصاص الإسرائيلي، ومنهن أمل طقاطقة المصابة بتهتك كبير في إحدى يديها.

والتقت الأسيرتين عبلة العدم، التي أصيبت في رأسها وفقدت إحدى عينيها، وإسراء الجعابيص التي تعرضت لحروق بالغة أدت إلى تآكل يديها وتشوه ملامحها، وكانت الأخيرة تحاول التقرب من الأسيرات القاصرات بلباس المهرجين كي لا تخيفهن.

طفلة فلسطينية تحمل لافتة تذّكر بوجود 35 أسيرة داخل السجون الإسرائيلية (الجزيرة)

أيام صعبة
مع بداية شهر رمضان هذا العام، تذكرت ملاك كيف تمضي أكثر من ستين أسيرة فلسطينية بينهن قاصرات وأمهات أيام الصيام في أوضاع صعبة موزعات على سجني هشارون وتلموند المخصصين للنساء.

وفي السجن تعرف الأسيرات بقدوم رمضان من الإذاعة. وفي الليلة الأولى تتذكر الأمهات أطفالهن والقاصرات أمهاتهن وعائلاتهن. وفي تلك الليلة كان قد مضى أسبوع على اعتقال ملاك دون أن يسمح لها بالتواصل مع عائلتها.

أما الطعام في رمضان السجن فمختلف؛ إذ يخصص للأسير قطعة دجاج واحدة ومرة كل أسبوع، في حين يشترون اللحوم المجمدة على حسابهم الشخصي من بقالة السجن. وتقول ملاك إن الطعام المقدم من إدارة السجن يخضع لإعادة طبخ ليصبح صالحا للأكل بسبب قلة نظافته وإعداده السيئ.

وخلال يوم الصيام يتم إخراجهن ثلاث مرات للعدّ ومرة لتفتيش الغرف. ويتاح لهن ساعات قليلة تسمى "الفورة" للخروج إلى ساحة السجن. وفي العام الماضي هددت الأسيرات بإجراءات تصعيدية إذا لم يسمح لهن بفورة لمدة نصف ساعة قبل آذان المغرب.

بعد هذا " الإنجاز" كما يصفنه، خصصت الأسيرات الوقت المكتسب للاجتماع وقراءة القرآن والدعاء معا ثم اللعب والترفيه للقاصرات خاصة، وقبيل أذان المغرب تتبادل الغرف أطباق الأطعمة في ما بينها.

بعد الإفطار مباشرة تخضع الأسيرات للعدد من جديد، ثم يقمن بإعداد الحلوى، وهي طبق " مُخترع" كإعادة تصنيع الشوكلاتة التي اشترينها من بقالة السجن، ولا مكان لحلويات معروفة كالقطايف، لأن الطحين ممنوع على الأسرى.

ومع دخول رمضان لم يسمح لملاك -كما العديد من الأسيرات- بزيارة عائلاتها، وسيتاح لها ذلك عند الخروج إلى المحكمة فقط. وبعد ثلاثة شهور من اعتقالها سمح لوالدها بزيارتها.

تتذكر ملاك كيف كان يتم نقل عدد من الأسرى من سجن هشارون إلى سجن الرملة ومنه إلى محكمة عوفر العسكرية قرب رام الله بالضفة الغربية، فكانت الرحلة تستغرق نحو 24 ساعة، وكان السجانون الإسرائيليون يتعمدون نقل الأسرى الفلسطينيين مع معتقلين جنائيين إسرائيليين

رحلة شاقة
في اليوم الثاني، نقلت ملاك إلى المحكمة عبر "البوسطة"، وهي أكثر محطات المعاناة التي تذكرها. ويبدأ سفرها من الساعة الثانية فجرا من سجن هشارون إلى سجن الرملة، حيث يجمع الأسرى ممن لديهم محاكم وينقلون جميعا إلى محكمة عوفر غرب رام الله بالضفة الغربية.

تستغرق هذه الرحلة ذهابا وإيابا نحو 24 ساعة، ويحتجز الأسرى خلالها مقيدي الأيدي والأقدام في حافلة مقسمة إلى مقاعد مفصولة بالألواح الحديدية السوداء "حتى لكأن كل مقعد زنزانة"، كما تقول ملاك.

وخلالها يتعمد السجانون نقل الأسرى الفلسطينيين مع المعتقلين الجنائيين الإسرائيليين الذين يهاجمونهم بالشتائم والصراخ طيلة الطريق. عايشت ملاك تجربة البوسطة أربع مرات خلال شهر رمضان، وأكثر من أربعين مرة خلال شهور اعتقالها. وأحيانا كان يتم إخراجها مع الأسرى إلى المحكمة ثم تكتشف أنه لا جلسة لها في ذلك اليوم.

وفي البوسطة لا يقدم للأسرى الطعام أو الماء حتى في رمضان، ويتعمد السجانون توجيه شتائم إلى الصائمين وللرسول محمد عليه الصلاة والسلام.

وأُخرجت ملاك للمحكمة ليلة عيد الفطر بعد أن تقدمت محاميتها بطلب للإفراج عنها، غير أن الاحتلال رفض ووصفها القاضي الإسرائيلي "بالمخربة التي تهدد أمن إسرائيل". في يوم العيد قررت إدارة السجن صرف " كيلو طحين" لنحو ثلاثين أسيرة بسجن هشارون، وقررت الأسيرات صنع الكعك منها، وكان هذا احتفالا في يوم "حزين يفتقد فيه الأهل والأبناء".

تقول ملاك التي لا زالت تتلقى رسائل صديقاتها داخل سجن هشارون إن أصعب ما تذكره معايشتها لأسيرات ينتظرن أحكاما لسنوات طويلة في هذه الأوضاع، وكذلك احتجازهن أحيانا مع معتقلات جنائيات إسرائيليات يتعاطين المخدرات.

المصدر : الجزيرة