"الرجل العنكبوت" وأمثاله.. بطولات تخرس ألسنة العنصريين

"الرجل العنكبوت" وأمثاله.. بطولات تخرس ألسنة العنصريين

من حادث إنقاذ المهاجر المالي مامودو غاساما طفلا متدليا في شرفة شقة بباريس إلى مهاجر مالي آخر ساعد رهائن على الاختباء في متجر يهودي بالعاصمة الفرنسية تعرض لهجوم إرهابي، إلى مهاجر مغربي أنقذ سائحا فرنسيا من الغرق في نهر بمدينة إيطالية.. أعمال بطولية لمهاجرين غير نظاميين يعيشون بمجتمعات أوروبية تتصاعد فيها الأصوات العنصرية المناهضة للمهاجرين والمسلمين.
 
فبعد يومين من إنقاذه طفلا عمره أربع سنوات كان متدليا من شرفة شقة حظي الشاب غاساما (22 عاما) باستقبال من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه تكريما له لفعله البطولي، وقال ماكرون في تغريدة "عرفانا لما فعله غاساما ستتم تسوية أوضاعه القانونية في أقرب الآجال، كما أن الدفاع المدني بباريس مستعد لتوظيفه".
 
وقد انتشر مقطع الفيديو الذي يظهر حادث إنقاذ غاساما ذي البنية القوية للطفل، وشاهده الملايين عبر العالم، وتناقلته كبريات وسائل الإعلام الدولية.
 
حب الأطفال
وتعليقا على الحادثة قال غاساما "قمت بهذا لأنه طفل، وأنا أحب الأطفال، ولم أفكر في الطوابق، لم أفكر في المخاطر، تسلقت، والحمد لله أنقذته".

كما أكد الشاب المالي الذي بات يلقب "سبايدرمان" (الرجل العنكبوت) أنه لو صادف المشهد نفسه مرة أخرى لتصرف بالطريقة نفسها.
 
وغاساما مهاجر غير نظامي قدم إلى فرنسا في سبتمبر/أيلول 2017 لتحسين ظروف عيشه، وهو واحد من بين آلاف الماليين والأفارقة الذين ما زالوا يجازفون ويتكبدون المشاق للوصول إلى أوروبا هربا من الفقر والحروب والقمع، وذلك رغم تشديد الدول الأوروبية قوانينها الخاصة بالهجرة.
 
وقبل أن يستقبل الرئيس الفرنسي غاساما غرد المتحدث باسم الحكومة الفرنسية بنجامين غريفو أمس في تويتر قائلا "مامادو غاساما قام بسلوك بطولي بإنقاذ حياة طفل دون أن يهتم بحياته، إنه سلوك ينطوي على بطولة كبيرة ووفاء لقيم التضامن في الجمهورية، وهو ما يقتضي فتح الباب لهذا البطل للاندماج في المجتمع الفرنسي".

كما شكرت عمدة باريس آن هيدالغو المهاجر غير النظامي على "شجاعته التي مكنته من إنقاذ طفل من الموت"، وغردت المسؤولة الفرنسية على حسابها في تويتر قائلة "بلدية باريس تدعم بقوة إجراءات تسوية وضع مامودو غاساما".

وذكر الإعلام الفرنسي أن مامودو سيمنح غدا الثلاثاء أوراق الإقامة، وهو ما يتيح له بدء إجراءات تسوية وضعه القانوني.

تفاعل واسع
وقد تفاعل رواد التواصل الاجتماعي بقوة مع ما قام به غاساما، إذ غرد أحد الفرنسيين "لقد أخرس ألسنة كل العنصريين بفرنسا"، وقال آخر "سيكون فردا مفيدا للدفاع المدني بباريس لأن بنيته الجسدية تؤهله لذلك"، كما عبر الكثيرون داخل فرنسا وخارجها عن اعتزازهم بما فعله غاساما، واصفين إياه بأنه بطل قدم صورة مشرفة لمالي وأعطى صورة نموذجية للإنسانية.

ولم يأخذ إنقاذ غاساما للطفل تفاعلا كبيرا رسميا وشعبيا في فرنسا هذا الزخم بالنظر إلى الجانب البطولي للحادث فقط، بل أيضا بسبب ما تشهده فرنسا وأوروبا عموما منذ سنوات من تصاعد لاتجاهات سياسية تناهض استقبال المهاجرين واللاجئين، وتؤيد فرض قيود مشددة على قوانين الهجرة والإقامة، وتحمل المهاجرين الذين توافدوا على الدول الأوروبية في السنوات الماضية جزءا من المشكلات الاقتصادية والأمنية التي تعيشها تلك البلدان.

ولعل حادث غاساما يسهم في تغيير النظرة السلبية والقوالب الجاهزة تجاه المهاجرين داخل المجتمع الفرنسي وفي أوروبا عموما، وهو ما عبر عنه صراحة إيان بروسا مساعد عمدة باريس في تغريدة على حسابه بتويتر، إذ قال "فرح جدا بأن تتم تسوية وضع مامودو، وأتمنى أن يسهم ما قام به هذا المهاجر بتغيير نظرة المجتمع الفرنسي والمنتخبين الفرنسيين تجاه المهاجرين، فخلف أرقام المهاجرين هناك حياة أناس ووجوه وأحيانا أبطال..".

سلوك المهاجر المالي يعيد إلى الأذهان ما قام به مواطنه الحسن باثيلي قبل أكثر من ثلاث سنوات، ففي التاسع من يناير/كانون الثاني 2015 أنقذ المهاجر غير النظامي الذي يعمل في متجر يهودي شرقي باريس 15 من زبائن المتجر من القتل بإخفائهم في غرفة تبريد بالطابق السفلي من المتجر إبان هجوم إرهابي.

وقد لاقى هذا السلوك من باثيلي إشادة واسعة في المجتمع الفرنسي، وسلط عليه الإعلام الفرنسي الأضواء، وبعد عشرة أيام من هجوم المتجر اليهودي جرت تسوية الوضع القانوني لباثيلي في مراسيم نظمتها وزارة الداخلية وبحضور رئيس الوزراء الفرنسي السابق مانويل فالس.

وقد التقى باثيلي مواطنه غاساما اليوم، وحياه على بطولته ونشر صورة له معه، وقال الحسن إن ما فعله غاساما أقوى مما فعله هو إبان الهجوم على المتجر اليهودي.

وأضاف باثيلي "غاساما تصرف بدافع إنساني ولم يكن يتصور أن فعله سيتم تداوله إعلاميا على نطاق واسع"، وقد بدا على غاساما التأثر والارتباك عندما استضافته عدد من القنوات الفرنسية عقب الحادث.

ولا تنحصر الأفعال البطولية التي قام بها مهاجرون على ما فعله غاساما وباثيلي، إذ أنقذ لاجئ سوري رجلا هولنديا في ديسمبر/كانون الأول 2015 كاد يغرق في قناة مائية بالعاصمة الهولندية أمستردام، وقد وصف الإعلام الهولندي اللاجئ السوري بالبطل، والذي قال إن ما قام به هو رد للجميل لهولندا التي فتحت أبوابها له.

وقبل ذلك بأشهر قام مهاجر مغربي غير نظامي يدعى توفيق الشتوكي في مايو/أيار 2015 بإنقاذ سائح فرنسي سقط في واد بمدينة فلورنسا الإيطالية، ونال ما قام به المهاجر إعجاب من حضروا من إيطاليا، وتصدر خبره مجموعة من الصحف المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي.

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة