ماذا قال تقرير المخابرات الفرنسية عن الهجمات الكيميائية بسوريا؟
آخر تحديث: 2018/4/15 الساعة 11:39 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/30 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/15 الساعة 11:39 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/30 هـ

ماذا قال تقرير المخابرات الفرنسية عن الهجمات الكيميائية بسوريا؟

وفي أعقاب استئناف النظام المذكور حملته العسكرية، وكذلك عقب مستويات عالية من نشاط القوات الجوية فوق مدينة دوما بالغوطة الشرقية، تحدثت تقارير متزامنة من المجتمع المدني ووسائل إعلام محلية ودولية منذ عصر السابع من أبريل/نيسان الجاري عن واقعتين جديدتين لاستخدام مواد سامة.

وقالت منظمتان طبيتان أهليتان تنشطان في الغوطة (الجمعية الطبية السورية الأميركية، واتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية) تتصف معلوماتهما عموما بالمصداقية في تقارير علنية، إن الضربات استهدفت بصفة خاصة البنية التحتية الطبية المحلية يومي السادس والسابع من أبريل/نيسان الحالي.

ولوحظ خلال الساعات الأولى من مساء (السابع من أبريل) تدفق هائل لمرضى على المراكز الصحية في الغوطة الشرقية (لا يقل بأي حال عن 100 فرد)، تظهر عليهم أعراض تتفق مع أعراض التعرض لعنصر كيميائي، وتم توثيق ذلك.

ويعتقد أن عشرات من الناس (أكثر من 40 فردا وفق مصادر عدة) توفوا جراء التعرض لمادة كيميائية. وتمثل المعلومات التي جمعتها فرنسا مجموعة من الأدلة التي تكفي لتحميل النظام السوري مسؤولية الهجمات الكيميائية في السابع من أبريل.

هجمات كيميائية
1- وقعت هجمات كيميائية عدة في دوما في السابع من أبريل/نيسان 2018، وحللت الأجهزة الفرنسية شهادات وصورا ومقاطع فيديو ظهرت تلقائيا على مواقع متخصصة وفي الصحافة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي في الساعات والأيام التي أعقبت الهجوم.

كما تم تحليل شهادات حصلت عليها الأجهزة الفرنسية. وتمكنت بعد فحص مقاطع الفيديو وصور الضحايا التي نشرت على الإنترنت من أن تستنتج وبدرجة عالية من الثقة، أن الأغلبية العظمى حديثة وليست مفبركة.

ويؤكد النشر التلقائي لهذه الصور عبر جميع شبكات التواصل الاجتماعي أنها ليست لقطات فيديو مركبة أو صورا يعاد استخدامها. وتعتبر بعض الكيانات التي نشرت هذه المعلومات ذات مصداقية عموما.

وحلل خبراء فرنسيون الأعراض التي أمكن رصدها في الصور ومقاطع الفيديو المتاحة لعموم الناس. وقد تم تصوير هذه اللقطات ومقاطع الفيديو إما في أماكن مغلقة داخل مبنى توفي فيه نحو 15 شخصا وإما في مستشفيات محلية استقبلت مرضى عليهم آثار تعرض لمواد كيميائية.

أعراض الهجمات
يمكن وصف هذه الأعراض على النحو التالي:
- شعور بالاختناق أو صعوبات في التنفس.
- أقوال عن رائحة كلور قوية ووجود دخان أخضر في المناطق المعنية.
- إفراز زائد للعاب والرغاوى (خاصة من الفم والأنف).
- زرقة في الجسد.
- حروق جلدية وحروق في القرنية.

ولم تظهر أي حالات وفاة نتيجة إصابات ناجمة عن عنف بدني. فكل هذه الأعراض من سمات الهجمات بأسلحة كيميائية وخاصة بعناصر خانقة وعناصر فوسفورية عضوية أو حمض سيانيد الهيدروجين. وبالإضافة إلى هذا، فإن ما يبدو من لجوء الخدمات الطبية لموسّعات الشعب الهوائية كما ظهر في التسجيلات المصورة يعزز فرضية التسمم بمواد خانقة.

النظام يتحمل المسؤولية
2- نظرا لاستمرار العمليات العسكرية في الغوطة الشرقية في السابع من أبريل/نيسان الجاري أو نحو ذلك، فإننا نعتقد وبدرجة عالية من اليقين أن النظام السوري يتحمل المسؤولية.

وتشير معلومات مخابراتية موثوق بها إلى أن المسؤولين العسكريين السوريين نسقوا ما بدا أنه استخدام أسلحة كيميائية تحتوي على الكلور في دوما في السابع من أبريل/نيسان الحالي.

وقد قع هجوم السابع من أبريل في إطار حملة عسكرية أوسع نفذها النظام على منطقة الغوطة الشرقية. ومكنت هذه الحملة التي انطلقت في فبراير/شباط 2018 دمشق الآن من استعادة السيطرة على الجيب بأكمله.

وعلى سبيل التذكرة، فإن القوات العسكرية الروسية العاملة في سوريا تتيح للنظام التمتع بتفوق جوي واضح، مما يعطيه حرية العمل العسكري الكاملة التي يحتاجها لهجماته العشوائية على المناطق الحضرية.

سياق الضربة الكيميائية
وتضمن التكتيك الذي تبنته الفصائل الموالية للنظام الفصل بين الجماعات المعارضة المختلفة (أحرار الشام وفيلق الرحمن وجيش الإسلام) من أجل تركيز جهودها، واقتناص اتفاقات استسلام يجري التفاوض عليها. ومن ثم بدأت الجماعات المسلحة الرئيسية الثلاث مفاوضات منفصلة مع النظام وروسيا.

وأبرمت أول جماعتين (أحرار الشام وفيلق الرحمن) اتفاقات أسفرت عن إجلاء ما يقرب من 15 ألف مقاتل وأسرهم. وخلال هذه المرحلة الأولى، تضمنت إستراتيجية النظام السوري السياسية والعسكرية شن حملات عسكرية عشوائية متتالية على السكان المحليين، اشتملت أحيانا على استخدام الكلور، ووقف العمليات لإجراء مفاوضات.

وبدأت المفاوضات مع جيش الإسلام في مارس/آذار 2018 لكنها لم تكن حاسمة تماما. وفي الرابع من أبريل/نيسان الجاري وافق جزء من جماعة جيش الإسلام (حوالي ربع الجماعة وفقا للتقديرات) على اتفاق الاستسلام، وتم نقل المقاتلين وأسرهم إلى إدلب (نحو 4000 شخص مع الأسر).

غير أن ما بين 4500 و5500 مقاتل من جيش الإسلام ومعظمهم في دوما رفضوا شروط التفاوض. ونتيجة لذلك وبدءا من السادس من أبريل/نيسان الجاري استأنف النظام السوري بدعم من القوات الروسية قصفه الكثيف للمنطقة، منهيا وقفا للعمليات البرية والجوية كان ساريا منذ بدء المفاوضات في منتصف مارس/آذار الماضي. كان هذا سياق الضربات الكيميائية التي جرى تحليلها في هذه الوثيقة.

تكتيك عسكري
وفي هذا السياق، يكون استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية منطقيا من وجهتي النظر العسكرية والإستراتيجية معا:

من الناحية التكتيكية، يستخدم هذا النوع من الذخائر لإخراج مقاتلي العدو الذين يحتمون بالمنازل وللاشتباك في قتال بالمناطق الحضرية في أجواء أنسب للنظام. وهذا يعجل بالنصر، وله أثر مضاعف يساعد في التعجيل باستسلام الحصن الأخير للجماعات المسلحة.

أما من الناحية الإستراتيجية، فإن الأسلحة الكيميائية وبخاصة الكلور -التي جرى توثيقها في الغوطة الشرقية منذ أوائل 2018- تستخدم بصفة خاصة لمعاقبة السكان المدنيين الموجودين في مناطق يسيطر عليها المقاتلون المعارضون للنظام السوري، ولبث أجواء الخوف والرعب التي تدفعهم للاستسلام.

ولأن الحرب لم تنته بالنسبة للنظام، فإنه يلجأ لهذه الضربات العشوائية لإظهار أن المقاومة لا تجدي، وليمهد الطريق أمام بسط السيطرة على آخر بؤر المقاومة المسلحة.

منذ عام 2012 استخدمت القوات السورية مرارا النمط نفسه من التكتيك العسكري، إذ استخدمت المواد الكيميائية السامة أساسا خلال الحملات الأوسع في المناطق الحضرية، كما حدث في أواخر 2016 خلال استعادة حلب، باستعمال أسلحة الكلور على نحو منتظم بالإضافة إلى الأسلحة التقليدية. وتعد المناطق المستهدفة مثل الغوطة الشرقية كلها أهدافا عسكرية رئيسية بالنسبة لدمشق. 

3- ليس لدى الأجهزة الفرنسية معلومات تدعم فرضية أن الجماعات المسلحة في الغوطة كانت ستسعى لحيازة أسلحة كيميائية أو أنها كانت بحوزتها فعلا.

وترى الأجهزة الفرنسية أن فبركة الصور التي جرى تداولها على نطاق واسع منذ السبت السابع من أبريل/نيسان الجاري أمر يصعب تصديقه لأسباب منها أن الجماعات الموجودة في الغوطة لا تملك الموارد اللازمة لتنفيذ عملية اتصالات بهذا النطاق. في حين يستخدم النظام السوري أسلحة كيميائية ومواد سامة في عملياته العسكرية بشكل متزايد منذ أبريل/نيسان 2017.

مخزون كيميائي النظام
4- يحتفظ النظام السوري ببرنامج أسلحة كيميائية سري منذ 2013. وتعتقد الأجهزة الفرنسية أن سوريا لم تعلن عن كل مخزوناتها وقدراتها لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لدى انضمامها مؤخرا على استحياء لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في أكتوبر/تشرين الأول 2013.

ومن الجدير بالذكر أن سوريا تحاشت الإعلان عن كثير من أنشطة مركزها للدراسات والبحوث العلمية. ولم توافق إلا مؤخرا على إعلان أنشطة معينة لمركز الدراسات والبحوث العلمية وليس كلها. وفي البداية لم تعلن عن موقعي برزة وجمرايا، وأخيرا فعلت في 2018.

وترى الأجهزة الفرنسية أنه يجب الانتباه بشدة لأربعة أسئلة طرحتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على النظام السوري، ولا تزال بلا إجابة، وبخاصة في سياق هذه الحالات الأخيرة التي استخدمت فيها الأسلحة الكيميائية في سوريا:

- المخزونات المتبقية المحتملة من غاز الخردل ومادة دي.أف (التي تستخدم في إنتاج السارين).
- الأسلحة الكيميائية المحدودة القدرة التي لم يعلن عنها والتي ربما استخدمت مرات عديدة، إحداها خلال الهجوم على خان شيخون في أبريل/ نيسان 2017.
- علامات وجود غاز الأعصاب في.إكس والسارين بمواقع إنتاج وتحميل.
- علامات وجود مواد كيميائية لم يعلن عنها قط ومنها الخردل النيتروجيني وغاز الخردل (لويسايت) وغاز الأعصاب (سومان) وغاز في.إكس.

ومنذ 2014 نشرت مهمة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لتقصي الحقائق تقارير عدة، تؤكد استخدام أسلحة كيميائية ضد مدنيين في سوريا. وأجرت آلية التحقيق المشتركة التابعة للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية -وهي الآلية المعنية بهجمات الأسلحة الكيميائية- تسعة تحقيقات في وقائع قيل إنها استخدمت خلالها.

وفي تقريريها لشهر أغسطس/آب وأكتوبر/تشرين الأول 2016، عزت آلية التحقيق المشتركة ثلاث حالات استخدم خلالها الكلور إلى نظام دمشق، وعزت حالة واحدة استخدم فيها غاز الخردل إلى تنظيم داعش، لكنها لم تنسب أي هجوم من هذا النوع لأي جماعة سورية مسلحة.

سلسلة الهجمات الكيميائية
5- وقعت سلسلة من الهجمات الكيميائية في سوريا منذ الرابع من أبريل/نيسان 2017، أورد تقييم وطني فرنسي نشر يوم 26 أبريل/نيسان 2017 عقب هجوم خان شيخون كل الهجمات الكيميائية في سوريا منذ عام 2012 مصحوبا بتقييم لمدى ترجيحها وفقا للأجهزة الفرنسية.

ونفذ هذا الهجوم على مرحلتين، في اللطامنة يوم 30 مارس/آذار، ثم في خان شيخون بغاز السارين في الرابع من أبريل/نيسان، مما أودى بحياة أكثر من 80 مدنيا. ورأت السلطات الفرنسية في ذلك الوقت أن من المرجح جدا أن القوات المسلحة وقوات الأمن السورية هي المسؤولة عن الهجوم.

واطلعت الأجهزة الفرنسية على 44 زعما باستخدام أسلحة كيميائية ومواد سامة منذ الرابع من أبريل/نيسان 2017، يوم الهجوم بالسارين على خان شيخون. ومن هذه المزاعم الـ44 ترى الأجهزة الفرنسية أن الأدلة التي جمعت حول 11 هجوما تعطي مبررا لاعتبار أنها ذات طبيعة كيميائية.

ويُعتقد أن الكلور استخدم في معظم الحالات، وتعتقد الأجهزة أيضا أن غاز أعصاب ساما استخدم في حرستا يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017. وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة زيادة كبيرة في حالات الاستخدام منذ عدم تجديد آلية التحقيق المشتركة التابعة للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 بسبب الفيتو الروسي بمجلس الأمن الدولي.

ولوحظت أيضا بوضوح زيادة كبيرة في الهجمات بالكلور منذ بدء الهجوم على الغوطة الشرقية وتم إثباتها. وقد سبقت سلسلة هجمات ذلك الهجوم الكبير في السابع من أبريل/نيسان 2018، وفي إطار حملة أوسع (8 هجمات على الأقل بالكلور في دوما والشيفونية وحمورية).

وتحتاج هذه الحقائق للنظر فيها على ضوء أسلوب الحرب الكيميائية الذي ينتهجه النظام السوري، والذي تم توثيقه جيدا منذ الهجمات على الغوطة الشرقية يوم 21 أغسطس/آب 2013 وعلى خان شيخون في الرابع من أبريل/نيسان 2017.

وفي إطار زيادة مستمرة في العنف ضد المدنيين في جيوب ترفض سلطة النظام، وفي انتهاك لالتزاماتها الدولية رغم التحذيرات الواضحة من أعضاء مجلس الأمن الدولي ومنظمة حظر الأسلحة، تسعى دمشق لاكتساب ميزة عسكرية تكتيكية في الداخل، والأهم ترويع السكان لهدم كل المقاومة المتبقية.

وبالإمكان ملاحظة أنه منذ هجمات السابع من أبريل/نيسان 2018 وجماعة جيش الإسلام تتفاوض مع النظام وروسيا على الخروج من دوما، مما يظهر نجاح هذا التكتيك.

خلاصة
وعلى أساس هذا التقييم الشامل والمعلومات التي جمعتها أجهزتنا، ومع عدم وجود تاريخ للعينات الكيميائية التي حللتها مختبراتنا، فإن فرنسا تعتبر:
(أ) من دون أدنى شك أن هجوما كيميائيا استهدف المدنيين في دوما في السابع من أبريل/نيسان 2018.

(ب) أنه ما من سيناريو منطقي بخلاف أن القوات المسلحة السورية نفذت هجوما في إطار حملة أوسع في الجيب الواقع بالغوطة الشرقية.

والقوات المسلحة وقوات الأمن السورية تعتبر أيضا مسؤولة عن أعمال أخرى في المنطقة في إطار هذه الحملة نفسها عامي 2017 و2018.

وقدمت روسيا دعما عسكريا نشطا لا يمكن إنكاره للعمليات الرامية لاستعادة الغوطة. وبالإضافة إلى ذلك، وفرت غطاء سياسيا مستمرا للنظام السوري لاستخدام الأسلحة الكيميائية، في كل من مجلس الأمن الدولي ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، رغم النتائج المناقضة لذلك التي خلصت إليها آلية العمل المشتركة.

وسيخضع هذا التقييم للتحديث مع جمع معلومات جديدة.

المصدر : رويترز