أين تذهب أموال الأوقاف في مصر؟

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

أين تذهب أموال الأوقاف في مصر؟

وزارة الأوقاف المصرية تملك ما قيمته نحو 58 مليار دولار وفقا لإعلان رسمي صدر مؤخرا (مواقع التواصل الاجتماعي)
وزارة الأوقاف المصرية تملك ما قيمته نحو 58 مليار دولار وفقا لإعلان رسمي صدر مؤخرا (مواقع التواصل الاجتماعي)

محمد سيف الدين-القاهرة

تعد وزارة الأوقاف هي الأغنى بين المؤسسات الحكومية في مصر، وذلك وفقا لحجم أملاكها التي كشف النقاب عنها مؤخرا، وهي السابقة الأولى من نوعها في تاريخ الوزارة، وفقا لخبراء.

وبلغت المحفظة المالية للوزارة نحو تريليون و37 مليارا و370 مليونا و78 ألف جنيه (نحو 58 مليار دولار)، وفق ما أعلنه رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف المصرية سيد محروس.

وتوزعت هذه الأصول بين أملاك زراعية تقدر بـ759 مليارا و181 مليون جنيه وعقارات بقيمة تقديرية تبلغ نحو 137 مليار جنيه وأرض فضاء تقدر قيمتها بأكثر من 141 مليار جنيه.

واستنادا إلى هذه الأرقام فإن أملاك الأوقاف تعادل تقريبا الناتج المحلي الإجمالي لمصر في الربع الثالث من العام المالي المنتهي 2017-2018 الذي بلغ نحو تريليون و52 مليار جنيه (نحو 58 مليارا و588 مليون دولار)، فضلا عن امتلاكها ربع ثروة مصر العقارية، وفقا لتقديرات عدة.

وعلى الرغم من ضخامة تلك الأموال فإن رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف المصرية الشيخ سلامة عبد القوي إبان فترة حكم الرئيس محمد مرسي (2012- 2013) شكك في صحتها، مؤكدا أنها تفوق ذلك بكثير.

"هناك سرقة"
وقال عبد القوي للجزيرة نت "حينما توليت منصب رئيس مجلس إدارة الأوقاف كنا نسأل دائما عن حجم أموال الوزارة، ولكن كانت الإجابة دائما جاهزة: ليس لدينا حصر دقيق بها"، موضحا أنه شكل لجنة لحصر تلك الأموال إلا أن الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكم الرئيس محمد مرسي في صيف 2013 حال دون استكمال أعمالها.

وأضاف المسؤول المصري السابق "طالما لا يوجد حصر سابق بتلك بالأموال فإذن هناك سرقة".

وتتسق اتهامات عبد القوي مع ما كشفه فريد الديب محامي الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك الذي سبق أن اتهم وزير الأوقاف الحالي مختار جمعة بالتورط في قضايا رشوة المتهم فيها وزير الزراعة الأسبق صلاح هلال المحكوم عليه بالسجن عشر سنوات، وهو ما نفاه جمعة.

وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة (مواقع التواصل الاجتماعي)

هذه ليست الواقعة الأولى، وبحسب خبراء اقتصاد فإن وزارة الأوقاف تمتلك حسابات خاصة خارج البنك المركزي، وذلك بالمخالفة للوائح المالية التي تقضي بأن تكون حسابات الوزارات والهيئات الحكومية في البنك المركزي المصري، وهو ما يمثل جانبا قويا من جوانب الفساد الذي يجتاح وزارة الأوقاف.

ويقدر حجم الفساد في مصر (الفترة ما بين 2013 و2016) بستمئة مليار جنيه، وفق ما أعلنه في يناير/كانون الثاني 2016 رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات آنذاك المستشار هشام جنينة.

بوابة للخصخصة
وجاء الكشف عن حجم أموال وزارة الأوقاف بناء على طلب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في ديسمبر/كانون الأول 2017، وذلك ضمن مساع حكومية لضم أملاك هيئة الأوقاف من الأراضي والمباني إلى الصندوق السيادي الذي أنشأته الحكومة في أبريل/نيسان 2018 برأس مال يبلغ مئتي مليار جنيه (11.2 مليار دولار تقريبا) لدعم الاقتصاد.

وكان الرئيس السابق لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام الصحفية الحكومية أحمد السيد النجار قد وصف هذا الصندوق السيادي بـ"البوابة الملكية للخصخصة"، وقال إن الظروف المالية اللازمة لإنشاء أي صندوق سيادي لإدارة الفوائض غير موجودة من الأساس في مصر.

واستكمالا للخطة الحكومية التي تسعى إلى السيطرة على أموال الأوقاف وافقت لجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب (البرلمان) منتصف الشهر الماضي من حيث المبدأ على مشروع قانون إعادة تنظيم هيئة الأوقاف المصرية.

أرض فضاء مهملة تابعة لوزارة الأوقاف (الجزيرة نت)

ويمكن مشروع القانون -الذي من المقرر أن يوافق عليه مجلس النواب خلال الأيام المقبلة- وزارة الأوقاف من استثمار أموالها، كما يحدد الحالات التي يجوز فيها الاستبدال والبيع.

ويترأس لجنة إدارة استثمارات الأوقاف شريف إسماعيل مساعد رئيس الجمهورية للمشروعات القومية ورئيس الوزراء السابق المهندس وفق قرار صادر عن السيسي في يوليو/تموز الماضي.

وحذر من هذه الخطوة رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف السابق الشيخ سلامة عبد القوي، واصفا إياها بالأخطر في تاريخ مصر لما تمثله من ضرر بالغ على ثروات البلاد، حسب قوله.

وفقهيا، بين عبد القوي أن الرئيس المصري ووزير الأوقاف لا يمتلكان الحق في التصرف في أموال الوقف دون الرجوع لأصحابها، وذلك استنادا إلى نص القاعدة الشرعية التي تقول إن "شرط الواقف كنص الشارع".

كيف تدار أموال الأوقاف؟
أما على الجانب الاقتصادي فقد شكك الصحفي المتخصص عمرو خليفة في قدرة وزارة الأوقاف على إدارة أموال الوقف، وقال للجزيرة نت إن وزارة الأوقاف على الرغم من الأرقام المعلنة فإنها لا تمتلك قاعدة بيانات تفصيلية عن حجم هذه الأملاك، كما أنها لا تديرها بشكل يحقق عائدا قويا بما تعكسه القيمة السوقية لهذه الأملاك.

وأوضح خليفه أن أغلبية الأملاك التي تملكها وزارة الأوقاف المصرية تعرضت للتعدي والسطو من قبل أصحاب النفوذ دون محاسبة، والتي تصل إلى نحو 10% من إجمالي الأملاك.

دار الأوبرا بمدينة بورسعيد الساحلية تابعة لوزارة الأوقاف (الجزيرة نت)

وفي وقت سابق، ذكر وزير الأوقاف أن التعديات على الأراضي الزراعية طالت عشرين ألف فدان، والمباني 451 ألف متر، في حين أن التعديات على الأرض الفضاء طالت نحو 926 ألف متر، ومن أبرزها وقف أرض نادي الزمالك الرياضي (غرب القاهرة) على مساحة تسعين ألف متر، ووقف مصطفى عبد المنان الذي يمثل 7% من الأراضي الزراعية في مصر.

وفي محاولة لمواجهة السؤال المتكرر "أين تنفق أموال الوزارة الأغنى في مصر؟" قال وزير الأوقاف إن "15% من الإيرادات تذهب لأجور العاملين وعددهم ستة آلاف و660 موظفا، و10% لتطوير وتنمية الموارد سنويا، و75% من الإيرادات في أعمال البر والخير".

جاء ذلك خلال اجتماع لجنة الشؤون الدينية بمجلس النواب في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي الذي استدعي له الوزير قبل أيام من الكشف عن حجم أموال الوزارة.

محلات قريبة من قناة السويس تابعة لوزارة الأوقاف (الجزيرة نت)

وتشمل أعمال البر والخير إعانة ومساعدة الفقراء وبناء المساجد وتجديدها، ولكن لا يوجد حصر دقيق لحجمها.

وتخضع "جميع أموال الأوقاف لرقابة وزارة المالية" حسب ما أوضح مصدر خاص للجزيرة نت، ولكن الملفت للانتباه أن هناك أموالا كثيرة من الوقف تصرف على الحيوانات والطيور وزراعة الأشجار وتسبيل القبور وجذب الزوار بتوفير أطعمة لهم، وفقا للمسؤول السابق في الوزارة الشيخ سلامة عبد القوي.

ولعل أوجه الصرف هذه كانت دافعا رئيسيا وراء دعوة الكاتب الصحفي عبد الناصر سلامة لوزير الأوقاف إلى نشر كشف حساب سنوي أمام الرأي العام بشأن مدخلات ومخرجات الوزارة.

وقال سلامة -في مقالة سابقة له نشرت في إحدى الصحف المصرية الخاصة- إن "أبسط قواعد الشفافية هو أن تصدر هيئة الأوقاف كشف حساب سنويا بمجمل أعمالها خلال العام حتى يطمئن المواطن صاحب الوقف الخيري أنه في أيد أمينة بعد أن أصبح أمر الفساد في هذا المجال شائعا إلى الحد المعترف به في التصريحات الرسمية".

المصدر : الجزيرة