العلاقات المصرية السودانية أمام عائق سد النهضة
آخر تحديث: 2017/6/19 الساعة 17:29 (مكة المكرمة) الموافق 1438/9/25 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/6/19 الساعة 17:29 (مكة المكرمة) الموافق 1438/9/25 هـ

العلاقات المصرية السودانية أمام عائق سد النهضة

الرئيس السوداني عمر البشير خلال زيارة للقاهرة عام 2014 ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي (الأوروبية-أرشيف)
الرئيس السوداني عمر البشير خلال زيارة للقاهرة عام 2014 ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي (الأوروبية-أرشيف)

زهير حمداني

لم يكن سد النهضة الذي تقيمه إثيوبيا على نهر النيل مشكلة مصرية إثيوبية خالصة، فقد أثّر المشروع الذي يجسد الحلم الإثيوبي الكبير في العلاقات بين الخرطوم والقاهرة، لتضاف مفاعيله السلبية إلى سلسلة من الملفات الشائكة بين البلدين، خاصة في ظل ما تعتبره مصر انحيازا من السودان إلى إثيوبيا ضد مصالحها.

وأخفت اللقاءات الكثيرة بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والسوداني عمر البشير -التي ناهزت الست لقاءات منذ 2013- والحميمية البادية في اللقاءات بين مسؤولي البلدين الكثير من التوترات والخلافات التي كانت مكتومة بين البلدين حول السد ومسائل أخرى، قبل أن تنفجر دفعة واحدة  من خلال التراشق الإعلامي وأحيانا الدبلوماسي بين البلدين.

وتصر مصر على أن السد الإثيوبي سيضر بحصتها من مياه النيل البالغ قدرها 55,5 مليار متر مكعّب، بينها أكثر من 70% من النيل الأزرق المنحدر من إثيوبيا نحو دولتي المصب السودان ومصر، لكنها لم تحل دون تنفيذه، ووافقت على  اتفاقات بخصوصه، اعتبرها البعض في مصر خطرا مستقبليا على الأمن المائي للبلاد.

ورغم الهزات في العلاقات السودانية المصرية، فقد  كانت الخرطوم تأخذ المخاوف المصرية بعين الاعتبار، حيث أيدت القاهرة سابقا في معارضتها لأي مشروع في أي من دول حوض النيل من شأنه التأثير في حصتهما الواردة في اتفاق عام 1959.

الرئيس السوداني عمر البشير (يمين) مع رئيس الوزراء الإثيوبي هيلا ماريام ديسالين (رويترز)

انعطافة المصالح
وتعرض هذا الدعم لضربة كبيرة عندما أعلنت الخرطوم عام 2013 دعمها لإثيوبيا في بناء سد النهضة، وكانت الانعطافة الكبرى في الموقف السوداني خلال زيارة الرئيس عمر البشير في أبريل/نيسان2017 إلى إثيوبيا ولقائه رئيس وزرائها هيلا ماريام ديسالين، وإعلانهما التكامل بين البلدين في مختلف المجالات وتوحيد المواقف تجاه التهديدات الخارجية.

وفي سابقة لها دلالاتها، اعتبر البشير أن "أي تهديد لأمن إثيوبيا هو تهديد مباشر للأمن القومي السوداني"، ورأت مصر هذا التقارب بين الخرطوم وأديس أبابا موجها ضدها، ويشكل انحيازا واضحا للموقف الإثيوبي من قضية سد النهضة، لا سيما أنه قد جاء في ذروة خلافات بين البلدين وخطاب إعلامي متشنج، استحضر كل أسباب الخلاف، لا سيما قضية حلايب.

وجاءت تحركات الخرطوم مع إثيوبيا بالتزامن مع نشاط مواز للقاهرة باتجاه أوغندا وإرتيريا وجنوب السودان، باعتبار أن لدى مصر مصالح في جوبا وكمبالا وأسمرة تتعلق بأمنها القومي، وهي لا تريد التعرض لخسائر في مجرى النيل الأبيض، مثلما حدث مع منبع النيل الأزرق في إثيوبيا، واعتبرت الخرطوم هذه التحركات تدخلا في شؤونها.

ويرى محللون سودانيون أن الاتفاقات الأخيرة بين الخرطوم وأديس أبابا، والتي اتخذت طابعا اقتصاديا وعسكريا، تعبر عن توجه السلطات السودانية للحفاظ المصالح الوطنية على حساب علاقات "متذبذبة ولم تعد مجدية" مع مصر التي تعاني مشاكل كثيرة على الصعيد الاقتصادي، وضمور كبير في الدور السياسي عربيا وأفريقيا كما يقولون.

ووفقا للمقاربة السودانية-التي بنت عليها موقفها من دعم إثيوبيا في مشروع سد النهضة وتطوير العلاقات معها، فإن مصر بوضعها الراهن لم تعد في موقع الدولة الداعمة سياسيا أو اقتصاديا، في حين تتطور الاستثمارات السودانية في إثيوبيا إلى نحو ملياري دولار، وتعد موانئ السودان منفذا للسلع الإثيوبية إلى العالم.

ويطمح السودان في تطوير مشاريع بالمناطق الحدودية مع إثيوبيا، ومن المنتظر أن يستفيد السودان بنحو خمسمئة ميغاوات من كهرباء سد النهضة، الذي سيخزن أيضا الطّمي الذي يعيق عمل السدود السودانية، وخاصة على نهر عطبرة بما يحوله إلى نهر دائم الجريان ويزيد بذلك كمية الكهرباء المولدة منه بنحو ثلاثة أضعاف إلى نحو 320 ميغاواتا، وفق ما تقول مصادر سودانية.

إحدى الاجتماعات الوزارية الثلاثية حول سد النهضة (الجزيرة)

العمق الأفريقي
وبالنسبة لرؤية الخرطوم، فإن إثيوبيا تعد بلدا صاعدا في منطقتها، وقد تطور دورها على الصعيد القاري وفي منظومة الاتحاد الأفريقي، وقد كانت سندا كبيرا للدبلوماسية السودانية في عدد من القضايا، بينها علاقة الرئيس البشير بالجنائية الدولية، والدور الإيجابي في حل قضية الخلافات بين السودان وجوبا، وإرسال قوات إثيوبية إلى منطقة أبيي المتنازع عليها عام 2011، وهو ما رجح كفتها على الدور المصري المتراجع.

وإضافة إلى زيادة المصالح السياسية والاقتصادية مع إثيوبيا، ترى الخرطوم أن مصر لا تعير اهتماما لمصالحها وتؤوي المعارضة وتدعم الحركات المسلحة في دارفور وتشن الحملات الإعلامية الممنهجة وتسعى لإبقاء العقوبات الأميركية عليها.

وضمن الاتهامات المتبادلة، يؤكد السودان أن مصر ترفض التفاوض مع السودان على مثلث حلايب، وتصعد عسكريا في المنطقة، كما ترفض تنفيذ اتفاقية "الحريات الأربع" الموقعة عام 2004 بين البلدين بدعوى محاربة "الإرهاب"، في حين تطبق المبادئ نفسها مع دول مجاورة وضعها الأمني متدهور بشكل كبير، وفق ما يتداوله الإعلام السوداني على لسان مسؤولين.

ورغم أن التوترات والأزمات السياسية والخلافات المعلنة والمكتومة بين البلدين استمرت منذ انفصال السودان عن مصر عام 1956، يبدو أن الأزمة الحالية ستكون أكثر سخونة، وسترسم واقعا سياسيا جديدا بين البلدين.

ويأتي الاندفاع السوداني إلى العمق الأفريقي الذي غاب طويلا بحكم أولوية الانتماء إلى البيت العربي، ومن خلال البوابة الإثيوبية على حساب مصر، في سياق تصحيح غير مباشر على مقولة الزعيم والشاعر الأفريقي الراحل ورئيس السينغال الأسبق ليبولد سيدار سنغور، الذي اعتبر أن "السودان اختار أن يكون أسوأ العرب بدل أن يكون أفضل الأفارقة.

ويشير محللون إلى أن قضية سد النهضة والقراءة السودانية لها بموازين المصالح السياسية والاقتصادية وضرورات المستقبل بعيدا عن قيود الماضي، تعبر في النهاية عن توجه جديد في العلاقات الخارجية، وتموضعات سياسية جديدة تناسب طبيعة المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة والعالم.

المصدر : الجزيرة + وكالات

التعليقات