ركزت النقاشات التي تناولت وثيقة حماس الجديدة على أنها تماهت في كثير من بنودها مع الميثاق الوطني الفلسطيني الذي تتبناه منظمة التحرير، واعتبرت أن استدراك حماس جاء متأخرا، بينما طالبتها حركة فتح بالاعتذار للمنظمة لأنها خونتها على مدار ثلاثين عاما.

محمود العدم

فتح إعلان رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل عن وثيقة المبادئ والسياسات العامة للحركة، الباب على مصراعيه أمام كم كبير من التحليلات والتأويلات بشأن الجديد الذي تطرحه الوثيقة.

وتضمنت تلك النقاشات التي بدأت قبل الإعلان رسميا عن الوثيقة، البحث في نقاط الخلاف مع ميثاق الحركة الذي نُشر في أغسطس/آب 1988، أي بعد الإعلان عن انطلاق الحركة بثمانية شهور فقط.

الميثاق والوثيقة
ولا بد في البداية من الإشارة إلى عدة نقاط مهمة تضع القارئ في السياق العام للظرف الذي تم خلاله الإعلان عن الوثيقة.

أولها أن الحركة لم تعلن أن وثيقتها بديل عن الميثاق الذي خضع منذ صدوره لعملية نقاش تاريخي داخل الحركة؛ حاولت أن تنقله من حالة من السرد إلى مواد سياسية وقانونية دقيقة، ورغم ذلك فقد امتنعت الحركة عن إعادة صياغته.

ويرى الكاتب ساري عرابي في مقال نشرته الجزيرة نت أن الحركة من خلال ممارستها السياسية تجاوزت بعض نقاط الميثاق المبنية على موقف أيدولوجي، خصوصا فيما يتعلق بالعلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية، ومن ذلك تحالفها مع بعض فصائل المنظمة العلمانية أو الماركسية.

وبعد ذلك جاء إعلان القاهرة عام 2005 والمشاركة في الانتخابات النيابية، وصولا إلى الحالة التي طالبت فيها الحركة بإعادة بناء المنظمة ليتاح لحماس الانخراط فيها.

ويتابع عرابي أن الحركة تقدم وثيقتها اليوم استشعارا للحاجة، وإضافة تتضمن تركيزا سياسيا لا يتعارض مع ثوابتها المعروفة، ولكنه يعيد صياغتها بلغة أكثر ضبطا ودقة، ويحررها من مشكلات في صياغة الميثاق ومضامينه.

وبالعودة إلى النقاشات التي تناولت الوثيقة الجديدة، فقد برز التركيز على أن كثيرا من بنودها تماهت مع مواد الميثاق الوطني الفلسطيني الذي تتبناه منظمة التحرير، وذهبت بعض المواقف إلى أن استدراك حماس جاء متأخرا.

وفي سياق ذلك، تعرضت الحركة لهجوم من قبل الناطق باسم حركة فتح أسامة القواسمي قال فيه إن على حماس أن تعتذر لمنظمة التحرير لأنها خوّنتها وكفرتها على مدار ثلاثين عاما.

نتنياهو اعتبر أن حماس تحاول خداع العالم (الجزيرة)

حركة مقاومة
عرّفت الوثيقة حماس بأنها حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، وأسقطت هنا ما جاء في الميثاق من أنها امتداد لحركة الإخوان المسلمين.

وفي تعليقه على هذا البند، قال خالد مشعل إن حماس جزء من المدرسة الإخوانية فكريا، لكنها تنظيم فلسطيني مستقل قائم بذاته ويستند في قراراته إلى قياداته، وليس تابعا لأي تنظيم.

كما أبرزت الوثيقة الجديدة تمييز الحركة بين اليهودية كديانة وبين المشروع الصهيوني، وأكدت أن صراعها مع المشروع الصهيوني المحتل لا مع اليهود بسبب ديانتهم، وانطلقت إلى قولها بأنها ترى أن المشكلة اليهودية والعداء للسامية واضطهاد اليهود ظواهر ارتبطت أساسا بالتاريخ الأوروبي.

وجددت حماس في وثيقتها الجديدة تأكيدها على مشروعية مقاومة الاحتلال، وأن ذلك يكون بالوسائل والأساليب كافة، وفي القلب منها المقاومة المسلحة، وقالت إن الأخيرة تعدُّ الخيارَ الإستراتيجي لحماية الثوابت واسترداد حقوق، رافضة المساس بالمقاومة وسلاحها. وهنا يبرز تطور جديد بالمقارنة مع ميثاق الحركة الذي ينص على أن لا حل للقضية إلا بالجهاد.

وهنا برز الرد الإسرائيلي مباشرة من خلال تصريحات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قال فيها إن حماس تحاول خداع العالم وتضليله، معتبرا أن قادة الحركة يدعون إلى إبادة اليهود وتدمير إسرائيل، وهي "تعلم في مدارسها وجوامعها أن اليهود هم قردة وخنازير".

عدد من المراقبين اعتبر وثيقة حماس مقاربة للفكر الفلسطيني السائد (الجزيرة)

الدولة الفلسطينية
النقطة الأهم التي برزت في الوثيقة الجديدة وأثارت نقاشا واسعا، هي إعلان الحركة رسميا أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة -وعاصمتها القدس- على خطوط 4 يونيو/حزيران 1967، مع عودة اللاجئين والنازحين إلى منازلهم التي أخرجوا منها، هي صيغة توافقية وطنية مشتركة.

وهذا ما اعتبره مراقبون "مقاربة متحفظة" من الحركة مع الفكر السياسي الفلسطيني السائد، وقالوا إنها محاولة متأخرة من حماس تجاوزها الواقع السياسي الإسرائيلي والأميركي الرافض لحل الدولتين بأبسط متطلباته.

وهنا يقول الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي إن المشكلة في هذه المقاربة أنها جاءت متأخرة، وأنها أتت في وضع بات فيه ذلك الفكر متقادما أو مستهلكا.

وتساءل الكاتب عن رؤية حماس لكيفية قيام الدولة المذكورة في الضفة والقطاع المحتلين (1967): هل يكون عبر التحرير أم عبر المفاوضات؟ وهذه تعني أن حماس تنتهي إلى حيث وصلت فتح متأخرة.

واعتبرت حركة فتح أن هذا الموقف هو الذي خرجت به الفصائل الفلسطينية قبل ثلاثين عاما، حين أعلنت قبولها بدولة فلسطينية على حدود 67.

في المقابل، وصف عضو المكتب السياسي للحركة محمود الزهار الوثيقة -فور الإعلان عنها- بأنها تتضمن الثوابت الأربعة للحركة، وهي العقيدة والأرض والإنسان والمقدس، مضيفا أنها تعبر عن ثقة الحركة بقدرتها على الربط بين المبادئ والوسائل.

المصدر : الجزيرة