"لقد أصبحنا أكثر قربا من السوق الموريتانية وأكثر احتكاكا بالساكنة المحلية" يقول سيدنا عالي الذي جلب معه قطيع أنعامه من منطقة ليرنب "لكننا بحاجة ماسة إلى الأعلاف لمواشينا التي تعاني من نقص المراعي في هذه المنطقة".

بابا ولد حرمة-مخيم امبرة/شرقي موريتانيا

قبل شهور، ابتسم الحظ، أو قل ابتسم الفقر لـ "تية ولت محمد الملود" فقد شفع لها أنها أم معوزة لتسعة أبناء، لتُختار بعد إجراءات طويلة وانتظار، مع مئات آخرين، من بين ما يقرب من خمسين ألف لاجئ في مشروع لتحقيق الاكتفاء الذاتي بمخيم امبرة للاجئين الماليين شرقي موريتانيا.

تمول منظمات الغوث الإنسانية هذا المشروع بهدف دعم سكان المخيم الأكثر فقرا وهشاشة، بعدما تناقصت المساعدات وقل الدعم الموجه للاجئين.

مياه وبذور وأسمدة بالمجان، ووعود بمواصلة الدعم وزيادة تمويل الناجحين في هذه التجربة. هكذا كانت بدايات تية في هذه المزرعة، واليوم تجني البصل والطماطم والجزر والباذنجان. لم تكن لديها من خبرة سابقة في الزراعة، ولم تحضر الخضراوات إلا نادرا، حتى قبل اللجوء، على موائد الأسرة البدوية القادمة من ولاية "مُبْتي" وسط جمهورية مالي.

واليوم بعد خمس سنوات من العيش على المساعدات التي أضحت تقتصر على الأرز، توفر تية لأبنائها وجبات مختلفة عما اعتادوا عليه خلال السنوات الماضية، وعن وجبات غالبية اللاجئين.

تية ولت محمد الملود: عائدات بيع ما فاض عن استهلاكنا باتت مصدر دخل ثابت (الجزيرة)

"لا تقتصر فوائد هذا المشروع على ما يوفر من إضافات غذائية للأسرة" تقول تية "بل إن عائدات بيع ما فاض عن استهلاكنا باتت مصدر دخل ثابت نقتني به ملابس وأغراضا متنوعة لا توفرها منظمات الإغاثة".

مرحلة خاصة
مشاريع يقول "إبراهيما بوكوم" الموظف الميداني في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إنها جاءت من أجل حلحلة أزمة اللاجئين التي تمر بمرحلة خاصة.

فبعد سنتين من توقيع اتفاقية للسلام بين حركات التمرد الأزوادية وحكومة باماكو، وإنشاء لجنة ثلاثية تضم موريتانيا ومالي ومفوضية اللاجئين، من أجل العودة الطوعية، ظلت القلاقل الأمنية في إقليم أزواد تعرقل هذه الآمال، بل وتدفع بلاجئين جدد إلى هذا المخيم.

وقد استفاد من هذه المشاريع حتى الآن، وفق "بوكوم" أزيد من ألف وستمئة لاجئ كانوا في أمسّ الحاجة إلى الدعم والمساندة.

إبراهيما بوكوم يعمل مع المفوضية العليا للاجئين بمخيم امبرة (الجزيرة)

ويضيف بوكوم أن "هذه المشاريع خلقت حراكا اقتصاديا داخل المخيم" مؤكدا أنها لا تقتصر على المزارع، بل تشمل تمويل الحوانيت الصغيرة، وتوفير مياه السقي والرعاية البيطرية لمواشي اللاجئين "فقد ساهمت الآبار التي تعمل بمضخات أنشأتها مفوضية اللاجئين في دمج اللاجئين والساكنة المحلية، وأصبحت هذه الآبار نقاط التقاء بين الجميع".

معظم الوافدين إلى المخيم قدموا من مناطق الريف، شجعتهم هذه الخدمات على جلب مواشيهم إلى المخيم، خاصة ملاك القطعان الصغيرة من الأغنام والأبقار.

"لقد أصبحنا أكثر قربا من السوق الموريتانية وأكثر احتكاكا بالساكنة المحلية" يقول سيدنا عالي الذي جلب معه قطيع أنعامه من منطقة ليرنب "لكننا بحاجة ماسة إلى الأعلاف لمواشينا التي تعاني من نقص المراعي في هذه المنطقة".

مركز تجاري
حراك اقتصادي ربط مخيم اللاجئين بمحيطه الخارجي، وجعل منه مركزا تجاريا له يومه الخاص في الأسبوع ضمن دورة الأسواق الأسبوعية في القرى والمناطق المجاورة.

سيدنا عالي: هذه المشاريع خلقت حراكا اقتصاديا داخل المخيم (الجزيرة)

يوم الثلاثاء أضحى موعدا ثابتا ضمن أجندة سكان المخيم، ففيه يجلب التجار من القرى المجاورة بضائع متنوعة تشمل الملابس والأقمشة والتوابل، وهي مناسبة يستغلها اللاجئون لعرض مواشيهم وصناعاتهم الحرفية للبيع، واقتناء ما أمكنهم من حاجيات أساسية تكون أسعارها أغلى في حوانيت المخيم في الباقي من أيام الأسبوع.

اللاجئون المستفيدون من هذه المشاريع يرونها فرصة ذهبية لكسر رتابة اللجوء واستعادة حياة النشاط بعد الخمول. فبعدما وضع عثمان آغ أبو بكر الجندي السابق بالجيش المالي سلاحه قبل خمس سنوات في خضم المواجهات التي اندلعت بين الجيش المالي وحركات التمرد الطوارقية وبعد أن لجأ إلى هذا المخيم، منحته هذه المشاريع فرصة لاستعادة نشاطه، فامتشق المنجل وعدة السقاية بدل البندقية والرشاش، وكسر رتابة اللجوء، وانتظارَ دورات توزيع المساعدات.

المصدر : الجزيرة