ياسين بودهان-الجزائر

رغم الإمكانات الكبيرة التي سخرتها الحكومة الجزائرية في سبيل إقناع مواطنيها بأهمية المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقررة في الرابع من مايو/أيار المقبل، فإن شبح العزوف دائما ما يقلقها في كل موعد انتخابي.

عزوف الناخبين عن التوجه إلى صناديق الاقتراع هي ظاهرة تؤكدها الأرقام، فبالعودة إلى نتائج آخر انتخابات تشريعية التي جرت في مايو/أيار 2012، نجد أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 43.14%، ما يعني أن نسبة الممتنعين الذين يطلق عليهم اسم "الحزب الأكبر في الجزائر" تجاوزت 56.86%، حيث تحصي قوائم المسجلين في الانتخابات أكثر من 21.6 مليون ناخب، انتخب منهم 9.3 ملايين شخص.

انتخابات 2012 حصد فيها حزب جبهة التحرير الوطني 221 مقعدا من أصل 462 مقعدا، يليه حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وهو من أحزاب السلطة يتزعمه مدير ديوان الرئاسة حاليا أحمد أويحي بسبعين مقعدا، في حين لم يتجاوز نصيب الإسلاميين (حركة مجتمع السلم وحركة النهضة وحركة الإصلاح) الذين تحالفوا ضمن قوائم تكتل الجزائر الخضراء سوى 47 مقعدا.

ومقارنة بالنسب المسجلة في انتخابات مماثلة في دول أخرى، على غرار تونس (52%) ومصر (54%) بعد سقوط نظامي بن علي ومبارك، فإن نسبة المشاركة بالجزائر تعتبر ضعيفة، وهي مؤشر سياسي واجتماعي يعبر عن عزوف قطاعات عريضة من الجزائريين عن التوجه لصناديق الاقتراع، رغم الوسائل والإمكانات الكبيرة التي وفرتها الحكومة من أجل تعبئة مواطنيها لهذا الاستحقاق.

ولمواجهة مشكلة العزوف، طالبت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف من أئمة المساجد في كل مناطق الجزائر بتخصيص جزء من خطبة غد الجمعة لحث المواطنين على التصويت في الانتخابات المقبلة.

 قارعلي اعتبر أن الأغلبية الصامتة هي أكبر حزب بالجزائر وإن كان يمثل حالة اجتماعية وليس ظاهرة سياسية (الجزيرة نت)

استنفار المساجد
ويقول الخبير في القانون الدستوري عامر رخيلة إن الدستور الجزائري لم يضع حدا أدنى لنسب المشاركة، فمهما كانت نسب المشاركة عالية أو ضعيفة، فإن الانتخابات تجري وكل ما يترتب عنها يصبح واقعا بقوة القانون.

غير أنه اعتبر في حديث للجزيرة نت أن مسألة المشاركة أو الامتناع لها بعد سياسي، ذلك أن نسب المشاركة العالية تمنح المصداقية للسلطة وللمؤسسات المنتخبة، والعكس صحيح.

بالمقابل أوضح عضو البرلمان السابق إبراهيم قارعلي أن الدساتير أو القوانين ذات الصلة بالنظام الانتخابي، وحتى في الديمقراطيات العريقة، لا تأخذ في عين الاعتبار بنسبة المشاركة في تحديد نتيجة الاقتراع في مختلف الانتخابات، فالمشاركون في العملية الانتخابية ولو كانوا أقلية هم الذين يقررون مصير الأغلبية.

ومن المفارقات العجيبة، يقول قارعلي للجزيرة نت إن الديمقراطية التي تقتضي حق الأغلبية في السلطة وتضمن حق الأقلية في المعارضة، تصبح فيها الأقلية هي التي تحكم بينما الأغلبية هي التي تعارض.

ومع ذلك، فإن الأمر برأيه لا يتصل بالمقاطعة، فالمقاطعة موقف سياسي تدعو إليه النخبة المثقفة أو الطبقة السياسية، ولكن قد يتعلق الأمر في الدرجة الأولى بالعزوف الذي يشكل حزب الأغلبية الصامتة، وإن كان هذا الحزب غير المعلن لا يمارس السياسة، فهو أكبر حزب سياسي، ويمثل حالة اجتماعية وليس ظاهرة سياسية.

النمط الانتخابي
وعن أسباب ظاهرة العزوف، رصد رخيلة جملة أسباب يعتقد أنها تفسر هذه الظاهرة، أهمها العوامل المرتبطة بالواقع الاجتماعي والاقتصادي الصعب للجزائريين التي جعلتهم يزهدون ولا يقتنعون أصلا بجدوى العملية الانتخابية.

إلى جانب فقدان العملية الانتخابية لعناصر تجذب الناخبين، فأغلب المتنافسين الذين تحويهم القوائم الانتخابية لا صلة لهم بالمجتمع.

كما أن الأحزاب السياسية برأيه غلبت عليها البيروقراطية، وأغلب المنتخبين لا يعودون إلى قواعدهم ومنتخبيهم لتقديم حصيلتهم الانتخابية، وهو التقليد الذي بات غائبا بعد أن كان موجودا في سنوات سابقة لدى بعض الأحزاب.

ومن بين الأسباب المهمة برأيه طبيعة النمط الانتخابي الذي يعتمد على القوائم النسبية التي تتسبب في ضعف الحملة الانتخابية، وشرح فكرته بالقول على مستوى الأحزاب الكبيرة أو المحسوبة على السلطة مثلا، متصدرو القوائم يضمنون فوزهم، وبالتالي لا يهمهم أمر الحملة، لأن ولاءهم لمن وضعهم في صدارة القوائم لا للمنتخبين.

أما المترشحون الذين يتذيلون القوائم فلعدم وجود فرص لنجاحهم لا يستطيعون كسب تأييد أصوات الناخبين، خاصة في المناطق التي ينحدرون أو يقيمون فيها، وبالتالي تسجل نسب إقبال ضعيفة في تلك المناطق".

المصدر : الجزيرة