التهجير بسوريا.. جريمة موصوفة برسم القانون الدولي
آخر تحديث: 2017/3/20 الساعة 12:32 (مكة المكرمة) الموافق 1438/6/22 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/3/20 الساعة 12:32 (مكة المكرمة) الموافق 1438/6/22 هـ

التهجير بسوريا.. جريمة موصوفة برسم القانون الدولي

نحو ثلاثين ألفا من أهالي حي الوعر دفعوا لمغادرته بمقتضى اتفاق بين المعارضة المسلحة والنظام (رويترز)
نحو ثلاثين ألفا من أهالي حي الوعر دفعوا لمغادرته بمقتضى اتفاق بين المعارضة المسلحة والنظام (رويترز)

تعود مدينة حمص إلى دولاب التهجير القسري، بدأت القصة فيها لتضرب بأنحاء عدة في سوريا قبل أن تحط رحالها بحي الوعر الأشهر في المدينة، آلاف المدنيين يهجرون عن مساكنهم عمدا، جراء صمت عاجز أو موافق أو متآمر، وفي تجاوز صارخ للقانون الدولي ومؤسساته الراعية.

في سنة 2014 هجر النظامُ قسريا سكانَ أولى المناطق في سوريا بأحياء حمص القديمة، وخرج من ركام الحرب وأنقاضها ومن بين براثن الحصار والجوع آلاف المدنيين، لتستمر "التغريبة" لاحقا من مناطق الزبداني ومضايا، وبلدات داريا وقدسيا والهامة والمعضمية في أرياف دمشق وشرقي حلب مؤخرا، وقبل كل ذلك في القصير.

يغادر أهالي حي الوعر مدينتهم المضرجة بدماء الثورة مكرهين، يتركون مراصدهم التي صدوا منها جنود النظام لأكثر من ثلاثة أعوام، يخلون بيوتهم تاركين ذكرياتهم الموشومة بالحرب والحصار، يحملون أوجاع الرحيل، وما تيسر من متاع وبندقية، وأسئلة عن مصير الثورة وعن قيمة القانون الدولي.

ويعتمد النظام على أساليب مركبة في تنفيذ عمليات التهجير القسري، أساسها العمليات العسكرية والحصار والتجويع والقصف الجوي، وارتكاب المجازر وبث سلطان الخوف والرعب في النفوس. ليدفع نحو ثلاثين ألفا من أهالي حي الوعر للخروج من ديارهم ومدينتهم. ومئات الآلاف من أنحاء سوريا إلى نزوح داخلي لم تعد أهدافه خافية.

خروج المدنيين وعناصر المعارضة المسلحة من حي الوعر يجعل كامل مدينة حمص بيد النظام (رويترز)

 سردية النظام
ويغلف النظام كل ذلك ضمن "المصالحات" أو ما يسميه النزوح الإرادي أو الاضطراري إلى مناطق تتوفر فيها ظروف أمنية أفضل، في سردية يعمل من خلالها مراوغة القانون الدولي، ومغالطة الرأي العام المحلي والدولي، في ظل ما يراه من صمت دولي يقوم على تقاطع مصالح بين عدة أطراف.

ورغم مراوغات النظام وإخراجاته المتعددة لملف التهجير، تشير مبادئ القانون الدولي الإنساني إلى أن ما يحصل يقوم في النهاية على تطهير عرقي ممنهج، إنما لأنه يتأسس على "الإخلاء القسري وغير القانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها".

وتستند هذه الجريمة وفق هذا التعريف إلى ركنين أساسيين: (أولهما) الركن المادي والذي يتحقق من خلال إجراءات تقوم بها الحكومات أو المليشيات غير الحكومية، خلال النزاعات المسلحة الدولية أو الداخلية، تؤدي إلى إخلاء مجموعات أو فئات معينة من أراضيها، واستبدالها بمجموعات أو فئات أخرى.

وتشير المادة (7-1-د) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلى أن "إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي، موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، يشكل جريمة ضد الإنسانية".

وتشير المواد (6 و7 و8) من نظام روما الأساسي أيضا إلى أن "الإبعاد أو النقل غير المشروعين" للسكان من مناطقهم يشكلان كذلك جريمة حرب.

 المدنيون من حي الوعر هجروا في معظمهم إلى ريف حلب الشمالي (الجزيرة)

الجرم والعقاب
وتؤكد الحقائق على الأرض في المناطق التي جرت فيها عمليات التهجير والأدلة الصادرة عن المنظمات الحقوقية والإنسانية إلى مسؤولية النظام عن عمليات التهجير والنقل القسري، والتي تعتبرها المادة (49) من اتفاقيات جنيف الأربع، المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949، والبروتوكولان الملحقان بها لعام 1977، جرائم حرب دامغة.

من الناحية القانونية أيضا، تشكل عمليات التهجير القسري انتهاكا لـ اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1948، والتي تعتبر -في مادتها الثانية- أن الأفعال المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية بمثابة "إبادة جماعية".

وينطبق هذا الأمر على استهداف النظام للأكثرية من السكان السنة الذين يقطنون في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة، والذين أجبروا عبر القصف الجوي أو الحصار والتجويع، أو المصالحات القسرية، على إخلاء تلك المناطق بصورة جماعية.

ورغم تصنيف القانون الدولي لما يقوم به النظام السوري -ومنذ سنوات- بأكثر من جريمة، فإن إخفاق المجتمع الدولي في وضع نهاية للمأساة السورية المتواصلة، منحته الضوء الأخضر لمواصلة تنفيذ مخططاته مستفيدا من تواصل "الإفلات من العقاب".

وخلال تنفيذ اتفاق داريا في الغوطة الغربية لدمشق في سبتمبر/أيلول 2016، قال ستيفن أوبراين مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إن "الاتفاقيات التي ينجم عنها إجلاء جماعي للمدنيين بعد فترة طويلة من الحصار لا تتوافق مع قانون حقوق الإنسان الدولي".

لكن الأمم المتحدة لم تُدِن عملية التهجير باعتبارها جريمة حرب، وصمّت آذانها عن عمليات تهجير لاحقة، مثل ما حصل في المعضمية وقدسية والهامة في ريف دمشق وغيرها، كما ساهمت عدة مرات بالإشراف على عملية نقل السكان خارج أرضهم بدعوى المساعدة الإنسانية، متجاوزة أصل المشكلة.

وباعتبار أن المبدأ القانوني يفيد بأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، فإن السوريين ينتظرون تفعيل القوانين الدولية، والنظر في الجرائم المركبة التي ارتكبها النظام السوري من خلال عمليات التهجير القسري أو غيرها.

ولعل إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول الماضي تشكيل هيئة مهمتها جمع الأدلة حول جرائم الحرب في سوريا والتحضير لمحاكمات تتعلق بهذه الجرائم، واتهام قيادات عسكرية وسياسية من النظام يعد خطوة لمعاقبة مرتكبي هذه الأفعال، وفق المتابعين للمسألة السورية.

والأدلة التي ستجمعها الهيئة، وتلك التي جمعتها لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة منذ 2011 حول الانتهاكات الكثيرة في سوريا، يمكن أن تتحول إلى إجراء قانوني بحق مرتكبيها قد يتأخر في دهاليز المؤسسات الدولية -وفق المعطيات الراهنة- وقد لا يأتي أبدا.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية

التعليقات