الاقتدار الدبلوماسي للدوحة وتخبّط دول الحصار
آخر تحديث: 2017/12/2 الساعة 10:45 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/2 الساعة 10:45 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/14 هـ

الاقتدار الدبلوماسي للدوحة وتخبّط دول الحصار

أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنيويورك في سبتمبر/أيلول2017 (غيتي)
أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنيويورك في سبتمبر/أيلول2017 (غيتي)
زهير حمداني- الجزيرة نت

قبل ستة أشهر ذهبت الدول الأربع إلى حصار قطر، منتهجة الكثير من التشنج والمبالغة في تقييم قوتها والتقليل من مصادر قوة الدوحة سياسيا واقتصاديا وشبكة علاقاتها المتينة، واستندت إلى قراءة قاصرة للواقع الدولي المتغير؛ مما جعل الحصار يرتد على دول الحصار في الكثير من الجوانب.

وأثبتت الوقائع التي تلت فرض الحصار عبر مخطط بدأ بقرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية (قنا) وبث ما وصفته الدوحة بالأباطيل؛ أن التفكير في حصار قطر قام على التدبير والإضمار والتخطيط واختيار الوقت المناسب، ثم الهجمة الواسعة التي كان من ضمنها مخطط للتدخل العسكري، وفق ما ذكره وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري خالد بن محمد العطية، وتحدثت عنه وسائل الإعلام العالمية.

ومنذ قصة الاختراق المرتبكة والمقولات الملفقة، وسقوط خطة التدخل العسكري، وكذلك ورقة الرهان على دعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب -التي قامت بدورها على فهم خاطئ لطبيعة القرار الأميركي- بُنيت معظم قرارات دول الحصار وتحركاتها على ارتباك وعشوائية، مقابل قدرة قطرية على استيعاب "الصدمة"، متبوعة بتحركات هادئة وسرعة إيجاد البدائل وتنويع العلاقات.

 وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مع نظيره الألماني زيغمار غابرييل (الأوروبية)

الثبات الدبلوماسي
وبمرور ستة أشهر على الحصار، بما تضمنه من معارك مختلفة الأوجه، يرى متابعون أن قطر استطاعت التصدي للحصار من خلال الحراك الدبلوماسي الكبير في مختلف أنحاء العالم ومراكز الثقل فيه، مستندة إلى ما كونته من رصيد من الثقة دوليا وعلاقات الصداقة والتعاون، وعبر وضوح الرؤية والخطاب.

واستطاعت قطر في العقدين الماضيين أن تراكم عددا من الأدوات الإستراتيجية التي مكنتها من اكتساب عناصر متعددة من القوة الناعمة، كانت بمثابة الدرع الواقية في مواجهة الأزمة مع دول الحصار، ووظفت بذكاء وحكمة التوازنات الإقليمية والدولية في إضعاف تداعيات الحصار عليها.

وخلال فصول الأزمة، لم تغادر الدوحة ثوابت سياستها الخارجية القائمة على حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحل النزاعات بالطرق السلمية، وترجمتها في سياق الأزمة الراهنة عبر تمسكها بالحوار سبيلا للحل دون التنازل عن السيادة الوطنية، كما كان يردد المسؤولون القطريون دائما.

وعلى خلاف المقاربات الخاطئة والخطاب "الواهن والمضلل" لدول الحصار -كما وصفه مسؤولون قطريون- في المحافل الدولية والإقليمية، اعتمدت الدوحة على القرائن والأدلة والخطاب المتزن والمقنع لرد كل ما يثيره المحاصرون، الذين فشلوا في تحقيق أي اختراق دولي باتجاه إدانة قطر أو تمرير طروحاتهم ضدها.

ومقابل تفهم دولي للموقف القطري، لم تستطع المملكة العربية السعودية ودول الحصار الأخرى فرض تصوراتها حتى على دول تعتبر حليفة لها تقليديا، ولم تقنع دولا أخرى "صغيرة" بالانضمام إلى معسكر معاداة قطر، رغم دبلوماسية المال والصفقات التي اعتمدتها.

واعتبرت صحيفة غارديان البريطانية أن نجاح الدبلوماسية القطرية وفاعليتها أسهما كثيرا في تخفيف واستيعاب ضغط دول الحصار، ونوهت بالأداء الذي أبدته الخارجية القطرية ووزيرها الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.

وعرضت صحف غربية البعثات الدبلوماسية في مختلف أنحاء العالم ودورها الفاعل في دحض الادعاءات التي سوقتها دول الحصار، حيث نشطت هذه البعثات على المستوى الإعلامي خاصة، وكان حضورها مميزا ودؤوبا في المعركة الإعلامية والسياسية التي فرضها الحصار.

ولعل استناد التحركات الدبلوماسية إلى مبادئ القانون الدولي وأعرافه والتشديد على احترام حسن الجوار والحوار؛ جعل معظم المنظمات الدولية والدول الفاعلة ووسائل الإعلام الدولية تحكم بصوابية الرؤية القطرية وتصف مطالب دول الحصار بكونها "سخيفة "، وفق توصيف الغارديان البريطانية، و"استفزازية" على حد قول وزير الخارجية الأماني زيغمار غابرييل.

جانب من اجتماع لوزراء خارجية دول الحصار في العاصمة البحرينية المنامة (الجزيرة)

انقلاب المعادلات
وعلى غير ما اشتهته الدول المحاصرة، استطاعت قطر أن تكوّن حزاما دوليا قويا حولها من الدول الصديقة والشقيقة، وزادت معدلات التعاون معها، في حين عانت دول الحصار وَهنًا حتى في علاقاتها البينية، وارتباكا في مقولاتها، ويتجلى في الخلافات السعودية الإماراتية في اليمن، والاختلاف السعودي المصري حول الملفين اللبناني والسوري.

ومن تداعيات الحصار -والمعركة السياسية التي تخللته- أن كشفت هذه الدول نفسها للكثير من التقارير الإعلامية والحقوقية التي رصدت انتهاكاتها لحقوق الإنسان، سواء على الصعيد الداخلي أو خارجيا، كما يحصل في اليمن بالنسبة للإمارات والسعودية، وخلافات ومشاكل داخلية حقوقية وسياسية مزمنة ومستجدة فيها، باتت حديث المحافل الدولية ووسائل الإعلام.

وعلى مستوى أكبر، أساءت مسألة الحصار للأطراف المشاركة فيها على الصعيد الدولي، إذ ساءت علاقاتها -خاصة الرياض- مع دول أوروبية مثل ألمانيا، على خلفية رفض برلين الحصار، كما تقوضت قدرة السعودية على الإقناع والحشد وضعفت هيبتها الدبلوماسية، إذ فشلت في تكوين "حلف إقليمي" معاد للدوحة، كما في حشد أصوات دول حليفة لها -معظمها عربية- لإدانة انتهاكات إيران لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة.

وفشلت هذه الدول في تحقيق أهدافها في الضغط على قطر دوليا، وفي تكوين "حلف" إقليمي أو دولي يناهض الدوحة ويعزلها- كما كان مخططا- بل إن الدبلوماسية القطرية أصبحت أكثر انفتاحا على العالم، وتكررت زيارات أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى أكثر من بلد، وتعززت العلاقات مع دول كثيرة.

وبالنظر إلى المشهد العام، فإن المملكة العربية السعودية -بوصفها رأس الحربة في مسألة الحصار- تشهد وضعا داخليا صعبا مع حملة الاعتقالات الواسعة والتغييرات "الموجعة" في بنية الدولة التي ينفذها ولي العهد محمد بن سلمان، بما يجعل مستقبل المملكة غائما -كما يقول موقع إنترسبت الأميركي- في حين لم يغير الحصار حالة الاستقرار التي تشهدها قطر.

ويؤكد موقع إنترسبت أن الأزمات التي تعانيها السعودية آخذة في التزايد "بشكل كارثي"، ومن بينها فشلها في الحرب الخاسرة على اليمن، وفي محاولتها لتركيع دولة قطر، ويشير أيضا إلى احتمالات انفجار الوضع الداخلي جراء ما سماها "السياسة المتهورة" لولي العهد محمد بن سلمان، في حين أشارت نيويورك تايمز الأميركية إلى خلافات داخلية سعودية حول حصار قطر سرعت بتنحية ولي العهد السابق محمد بن نايف الذي كان رافضا لمنطق حصار الدوحة.

وفي ارتباط السياسي بالاقتصادي، عولت دول الحصار كثيرا على "تطويع" قطر عبر إغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية، ووقف توريد المنتجات والضغوط المالية، لكن هدفها في المحصلة لم يتحقق بل ارتدت عليها الأزمة، رغم الضرر النسبي الذي لحق باقتصاد الدوحة.

وفي هذا السياق، كانت أهداف دول الحصار من وراء خطوة الحصار المفاجئ -خاصة المواد التموينية ومواد البناء- الضغط على قطر ودفعها إلى التخلي عن مصادر قوتها السياسية ومشاريعها الواعدة والتزاماتها الداخلية والخارجية، وخصوصا كأس العالم 2022، لكن الدوحة استمرت في تنفيذ مشاريعها وفق المعايير والتواريخ المطلوبة.

وفي اختبار الأزمة السياسي والاقتصادي غير المسبوق، استنهضت الدوحة أدواتها القوية التي بنتها بتؤدة خلال السنوات الماضية واستخدمتها بتمكن زاد من انفعال دول الحصار ذاتها، وأربك خطواتها، وجعلها في "خانة الخاسر الأكبر"، كما حولت الدوحة الحصار من "نقمة إلى نعمة"، على حد توصيف صحيفة الغارديان.

المصدر : الجزيرة