ما الذي يدبره ابن سلمان وترمب للمنطقة؟
آخر تحديث: 2017/11/8 الساعة 17:27 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/19 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/8 الساعة 17:27 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/19 هـ

ما الذي يدبره ابن سلمان وترمب للمنطقة؟

ولي العهد السعودي أثناء لقاء له مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض (رويترز)
ولي العهد السعودي أثناء لقاء له مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالبيت الأبيض (رويترز)
خلال عام 2017 يتولى دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة غارقا في أحابيلها، ويصبح محمد بن سلمان وليا للعهد في السعودية مثيرا الكثير من الزوابع من حوله. ويملك الرجلان قواسم مشتركة ورؤية موحّدة لمنطقة الشرق الأوسط، قوامها التصعيد الذي يهدد بإشعال حرائق يصعب إخمادها.


وخلافا لعامل الخبرة السياسية الذي يفتقده الرجلان في إدارة ملفات الداخل والخارج، يكمن الالتقاء بينهما في إثارة المعارك السياسية بشكل غير مسبوق، وهو ما خلق متاعب جمة لكليهما في إدارة شؤون بلديهما، ولو بمستويات مختلفة.

فالرئيس الأميركي يسعى لتصدير مشاكله الداخلية المتراكمة وفشله في العديد من الملفات الداخلية وفي تحقيق وعوده وانصراف الكثير من معاونيه عنه، ومعاناته من "الكابوس الروسي" والتحقيقات الجارية المحرجة بحق فريقه في ملف التدخل الروسي؛ بنقل معاركه إلى الشرق الأوسط والتشبث بالملف الإيراني، وشيطنة طهران والعمل على "تقليم أظافرها"، كما يقول.

وفي الجانب الآخر يرى المراقبون أن ابن سلمان يسعى للهروب إلى الأمام من الملفات التي راكمها واستعصى حلها -مثل حرب اليمن والمشاكل الاقتصادية- باختلاق مشاكل وملفات أخرى عويصة مثل حصار قطر وتشديد اللهجة تجاه إيران وتأزيم الوضع في لبنان وتشديد قبضته على الوضع في المملكة واستدعاء ملف الفساد المزمن في البلاد لتصفية مناوئيه، وطرح مشاريع كبرى يستبعد معظم المتابعين تطبيقها.

ويضيفون أن توجهات ابن سلمان وقراراته المفاجئة تصدم في معظمها المجتمع السعودي، وتثير مخاوفه من مستقبل غائم، إذ اختط  الرجل مسارا تصعيديا في الداخل باتجاه "السلطة المطلقة"، وفي علاقته مع الأشقاء بفرضه حصارا على قطر، وقبل ذلك ذهب إلى حرب مكلفة في اليمن باعتبارها حربا ضد "العدو الإيراني"، وهو يهدد بنقل المعركة إلى الداخل الإيراني.

جاريد كوشنر (يمين) التقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الأيام الماضية (وكالات)

صفقة القرن
ويسعى ولي العهد السعودي إلى أن يكون الوكيل الأميركي في المنطقة على الصعيد السياسي والعسكري، وحتى على المستوى الداخلي تُرتّب أوراق "السعودية الجديدة" التي يريدها برؤية أميركية أو تنسيق كامل من أجل صناعة أوراق القوة التي تمهد لهذا الدور المستقبلي للرياض.

وتأتي تغريدة ترمب المؤيدة للاعتقالات التي طالت "أشخاصا حلبوا بلادهم" على حد قوله، لتؤكد التماهي التام مع توجهات ولي العهد السعودي. وهذه التصريحات وصفتها الصحافة الأميركية بكونها تتجاوز العرف الدبلوماسي والأخلاقي والقانوني لرئيس دولة ديمقراطية عتيدة يثني على اعتقالات عشوائية في بلد لا تتوفر فيه المعايير الديمقراطية في مثل هذه الحالات وفق تقييمها.

ويرى المحللون أن تزامن زيارة صهر ترمب ومستشاره جاريد كوشنر ومشاوراته الطويلة مع ولي العهد السعودي قبل يوم من موجة الاعتقالات الكبيرة التي شملت رموزا من الأمراء داخل العائلة المالكة ورجال أعمال كبارا بينهم الأمير الوليد بن طلال، يؤكد التنسيق في إدارة الملفات الداخلية والخارجية والتمهيد لمعركة ما في المنطقة.

والمهم في الأمر أن "حروب" ابن سلمان الداخلية على معارضيه داخل العائلة المالكة ممن يرون فيه خطرا على استقرار المملكة ومكانتها ومستقبلها ودورها في المنطقة، تعد رجع صدى أو انعكاسا للحروب الخارجية أو لخيوطها التي تنسج في المنطقة ضمن إطار تطبيق "صفقة القرن" التي تحدث عنها ترمب خلال زيارته للسعودية.

وتقضي صفقة القرن -بحسب ما رشح من تسريبات- بإقامة سلام دائم في المنطقة يمكّن من إدماج إسرائيل بمساهمة رسمية سعودية في المحيط العربي، والعمل على استثمار العقل والتكنولوجيا الإسرائيلية والرأسمال العربي لتحقيق التنمية. ويمكن فهم مشروع "نيوم" في هذا السياق، لكن عقبات كأداء تقف في وجه هذا المشروع، وتحديدا إيران وحزب الله وحلفاءهما في "معسكر المقاومة" في سوريا والعراق واليمن، وحركات المقاومة في فلسطين.

الملك سلمان أثناء استقباله رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري (حساب الحريري على تويتر) 

الخاصرة الرخوة
وبالنسبة لأميركا فإن مخطط إخضاع إيران ليس جديدا، فالبلد خضع لحصار أميركي لأكثر من ثلاثين سنة، لكن الإدارات الأميركية المتعاقبة كانت حذرة في التعامل الخشن مع طهران لمحاذير عسكرية وأمنية خاصة، فالحرب المباشرة تعني اشتعال واحدة من أهم مناطق نفوذ واشنطن وهي الخليج العربي، ومخاطرة الحرب المكلفة قد لا تؤدي في النهاية إلى انهيار النظام في إيران.

ويأخذ محمد بن سلمان موقفا متشددا ضد إيران مشوبا بمقاربة طائفية، حيث اتهمها في أول ظهور قوي له بعد توليه ولاية العهد في يونيو/حزيران الماضي بأنها تسعى للسيطرة على الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة، ولوح بنقل المعركة إلى الداخل الإيراني، كما اتهمها إثر إطلاق الصاروخ البالستي من اليمن على الرياض بالعدوان المباشر على المملكة، وتعهد بالرد في الزمان والمكان المناسبين، وهي نبرة تهديد غير مسبوقة.

ويقول المتابعون إن الإستراتيجية التي ينتهجها ابن سلمان ويتبناها ترمب في مواجهة إيران في المقام الأول؛ تقضي بقطع الأطراف قبل استهداف المركز (إيران)، أي بمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة وتفكيكه، وتبعا لذلك جاءت الحرب على اليمن ضد "الحوثيين أتباع إيران"، والحرب على سوريا ضد التوسع الإيراني وضد النظام الموالي لها، والتحضير لحرب ضد حزب الله في لبنان، كما تشي الوقائع التي تزامنت مع استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري التي أعلنها من الرياض.

وفسرت خطوة الحريري بأنها زلزال سياسي يصيب لبنان واستقراره من زاوية أن هذا البلد صاحب التوازنات السياسية الهشة، يبقى خاصرة رخوة لمن يريد اللعب على الساحة الإقليمية والدولية، لا سيما السعودية وإيران. فالسعودية ترتب من وراء الاستقالة "الملتبسة" لإدخال لبنان إلى أجواء التعطيلات والفراغ السياسي والضغط على الشارع "السني" واستثارته من أجل محاصرة نفوذ حزب الله وإخراجه من الحكومة، في انتظار حرب "استئصالية" هذه المرة يتبلور شكلها بتنسيق أميركي إسرائيلي أيضا، مثلما أشارت مجلة فورين بوليسي الأميركية.

ثامر السبهان أكد وجوب شنّ "عاصفة حزم" جديدة تطيح بحزب الله في لبنان

المؤشرات والسيناريوهات
وتأتي تصريحات وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان حول "عاصفة حزم" جديدة تطيح بحزب الله، ومفردات الحريري خلال خطاب الاستقالة؛ كمؤشرات على طبخة تعد لإشعال حرب في لبنان ضد حزب الله، باستخدام ورقة تأزيم الجبهة الداخلية ثم استدعاء التدخل العسكري الخارجي الذي قد يأخذ شكل "تحالف دولي" يتشكل من إسرائيل كرأس حربة والولايات المتحدة والسعودية، وقد يضم دولا عربية.

وتشير الحملة الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة على حزب الله واستدعت خلالها حادثة تفجير مقر المارينز والسفارة الأميركية في لبنان عام 1983 التي نُسيت تقريبا من قبل الإدارات الأميركية المتعاقبة، وفرض عقوبات جديدة مشددة على الحزب؛ إلى نبرة جديدة أكثر حدة ومتماهية مع الأجندة السعودية في لبنان.

أما إسرائيل الطرف الذي لا غنى عنه في هذه الحرب التي يريدها الجميع استئصالية هذه المرة، فهي تنظر بتخوف إلى تنامي قدرات حزب الله العسكرية بعد تدخله في سوريا على عكس ما كان متوقعا، لكنها في الوقت نفسه تفكر جديا في تسريع المعركة لتفادي خروج قدرات الحزب عن السيطرة، وهذا أيضا يتقاطع مع الأجندة الأميركية السعودية.

وكما تشير وسائل إعلام إسرائيلية، فإن "الحرب القادمة لا محالة" قد تشمل هجوما على حزب الله في لبنان، وعلى الجبهة الجنوبية في سوريا باتجاه دمشق في محاولة لإسقاط النظام السوري، وبالتالي ضرب عصفورين بحجر واحد، وهذا الأمر -على صعوبته وتكلفته العسكرية الهائلة- قد يكون التوجه المشترك للولايات المتحدة والتحالف الذي تحيكه مع السعودية لإخراج ما سيحصل على اعتبار أنه حرب على "الإرهاب" والنفوذ الإيراني.

وتقول تقارير إعلامية إن السعودية تسعى لإدماج أطراف عربية ضمن هذا التحالف الجديد ينضم إلى "الدول المحاصرة لقطر"، وربما تأتي زيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى الرياض في هذا السياق، حيث يرجح أن يتم دفعه لتعطيل اتفاق المصالحة مع حركة حماس -التي عادت مؤخرا للتقرب من إيران- ومحاولة تجريدها من السلاح، وبالتالي الانخراط في التحالف ضد إيران.

وفي هذا السياق تسعى السعودية إلى استمالة العراق، ومحاولة تحييده وإبعاده عن إيران قدر الإمكان في الصراعات المقبلة، من خلال استقبال رئيس الوزراء حيدر العبادي وتعيين سفير جديد في بغداد والحديث عن مشاريع تنموية، كما تمارس اللعبة نفسها مع روسيا ذات العلاقات الوثيقة مع طهران لمحاولة تحييدها. ولعل زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إليها الشهر الماضي والعقود الكبيرة التي أبرمت معها تأتي في هذا السياق.

الجيش الإسرائيلي متخوف من تنامي قدرات حزب الله العسكرية والقتالية بعد انخراطه في الحرب بسوريا (رويترز)

الحرب وارتداداتها
وفي سيناريو الحرب على حزب الله، يقول الخبراء إن نجاح أي تدخل عسكري -حتى لو كان بتفويض دولي وضمن تحالف- يبقى مشكوكا فيه، فالولايات المتحدة ما زالت تتذكر ما أفضى إليه تدخلها في لبنان عام 1982، ومقتل أكثر من 240 من قواتها في تفجيري السفارة ومقر المارينز. كما تتحسب إسرائيل بخصوص هذه المواجهة، متذكرة ما آلت إليه حربها عامي 2000 و2006.

ورغم السعي لتدويل أو "تعريب" أي حرب على حزب الله في لبنان، والدعم الأميركي بما يدفع إسرائيل إلى تحمل التكاليف الباهظة لحربها؛ فإنه يصعب تكرار تجربة منظمة التحرير الفلسطينية حين أخرجت قواتها من لبنان عام 1982 بعد تدخل إسرائيلي وإثر اتفاق دولي، باعتبار أن حزب الله يبقى جزءا من النسيج اللبناني على المستوى السياسي والاجتماعي.

والمغامرات الخارجية التي قد يخوضها ابن سلمان وترمب في لبنان قد تزيد في إشعال المنطقة وتنعكس على السعودية نفسها إذا تطورت إلى حرب مع إيران بمشاركة واشنطن بقصد إسقاط النظام فيها، وهي معركة فوق احتمال المنطقة على الصعيد العسكري والسياسي والاقتصادي كما يؤكد المراقبون، وقد لا تجري وفق ما تشتهيه الإدارة الأميركية.

وفي الداخل السعودي، هناك محاذير كبيرة تتعلق بمسألة الاضطراب داخل العائلة الحاكمة وفي  الدولة وتفكك البنية الاجتماعية والدينية التي يتكئ عليها نظام الحكم تاريخيا تحت وقع الأزمة. ولا يبدو أن الوضع الراهن يحتمل ارتدادات مواجهة إقليمية مباشرة مع إيران قد تكون قادحا لانفجار في السعودية، تؤججه التناقضات الداخلية المزمنة والراهنة.

ويتخوف الكثيرون في السعودية من أن يتجاوز ترمب كل تلك المحاذير ويدفع باتجاه إشعال الحرب في المنطقة مستغلا طموحات ابن سلمان واندفاعه، لتستنزف موارد البلاد لفائدة واشنطن بصفقات السلاح وغيرها، ثم لتترك لمصيرها ومشاكلها التي ستنفجر تباعا.

واحتمالات الحرب التي ترجحها القرارات غير المتوازنة التي درج عليها ترمب واندفاعات ابن سلمان غير المحسوبة، وسياسة الهروب إلى الأمام من قبلهما؛ كل ذلك من شأنه أن يطيح بوضع "الستاتيكو" الحالي في المنطقة، ويؤدي إلى صعود أحد المحورين (إيران ومن معها) وهزيمة الآخر، لكن بتكاليف باهظة في المنطقة العربية تحديدا، تتجاوز حسابات الجميع.

المصدر : وكالات,الجزيرة