استقالة الحريري فصل مأساوي في الفنتازيا اللبنانية
آخر تحديث: 2017/11/5 الساعة 15:37 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/16 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/5 الساعة 15:37 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/16 هـ

استقالة الحريري فصل مأساوي في الفنتازيا اللبنانية

استقالة الحريري تبقي لبنان صندوق بريد تتبادل فيه الأطراف الإقليمية رسائلها (رويترز)
استقالة الحريري تبقي لبنان صندوق بريد تتبادل فيه الأطراف الإقليمية رسائلها (رويترز)
محمد النجار

تفتح الاستقالة التي تقدم بها رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري أسئلة لا حصر لها عن أسبابها وتوقيتها ومكان إعلانها ووسيلة إيصالها للبنانيين رؤساء ومرؤوسين، عوضا عن مآلاتها في بلد اعتادت الأطراف الإقليمية اعتباره صندوق بريد تتبادل فيه الرسائل.
 
ارتدادات زلزال الاستقالة الذي ضرب بقوة في بيروت كان مركزه الرياض التي خرجت الاستقالة منها، ووصلت ارتداداته لإيران التي طالها الهجوم الأبرز في خطاب الحريري، ثم إسرائيل التي وجدت فيها تأكيدا لأسباب حربها المؤجلة على إيران وحزب الله.

تعامل اللبنانيين مع الاستقالة انتقل من الشعور بالصدمة لساعات قليلة، ليعودوا سريعا لسيرتهم المعهودة في الاصطفافات، فأعلن حلفاء الحريري تأييدهم، فيما عاد خصومه لمهاجمته.

مفاجأة الاستقالة الكبرى أنها جاءت بعد أيام قليلة من عودة الحريري من زيارة للرياض التقى خلالها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وعاد منها ليؤكد أن السعودية حريصة على الاستقرار في لبنان.

تناقض الخطاب والواقع
وقد تناقضت لغة الحريري تماما مع الأسباب التي سردها في خطاب استقالته، عوضا عن تناقضها مع ما سبقها من معطيات.

فآخر عهد الحريري في بيروت قبل أن يطير للرياض، كان لقاءه بعلي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي قيل إنه قدم للحريري توضيحات تؤكد حرص إيران على لبنان وسيادته بعد الانزعاج الذي أبداه الحريري من تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني التي قال فيها إن طهران تمتلك قرار دول عربية في لبنان والعراق وسوريا وغيرها.

وقرارات الرجل كانت تشي باستقرار بعيد المدى، فقد وقّع قبل أيام فقط على سلسلة قرارات، كان من أبرزها تعيين سفير جديد للبنان في سوريا، بعد أسابيع قليلة من توفيره الغطاء السياسي لعمليات حزب الله لإخراج تنظيمي الدولة والنصرة وفصائل المعارضة السورية من جرود عرسال.

ورغم أن الحريري كان يصرح بأنه يدعم الجيش، فإن الواقع الميداني كان واضحا بوجود تقاسم للأدوار في العمليات بين الجيش وحزب الله وبالتنسيق مع النظام السوري.

من الرياض لطهران
مكان الاستقالة حمل رسائل لافتة أيضا، فقد جاءت من الرياض التي تعيش على وقع تصعيد ترتفع وتيرته كل يوم مع إيران التي كان الخطاب موجها لها أكثر من غيرها، إن لجهة الهجوم على حليفها حزب الله، أو إرسال رسائل تهديد غير معهودة من الحريري لطهران.

فالحريري هاجم حزب الله وقال إنه يقتل بسلاحه السوريين واليمنيين واللبنانيين، لكن الجانب الأخطر في خطابه كان قوله "أريد أن أقول لإيران وأتباعها إنهم خاسرون في تدخلاتهم في شؤون الأمة العربية، وسوف تنهض أمتنا كما فعلت في السابق، وستقطع الأيادي التي تمتد إليها بالسوء، وكما ردت عليكم في البحرين واليمن فسترد عليكم في كل جزء من أجزاء أمتنا الغالية، وسيرتد الشر إلى أهله".

وهذه اللغة بالذات هي ما أدت لتوقف عدة مراقبين عندها، فقد دفعت خصوم الحريري لاعتبار أنها مفردات خطاب سعودي يحمل لغة معتادة مؤخرا من الوزير ثامر السبهان، وأنها لغة لم يستخدمها الحريري سابقا، لكن حلفاءه اعتبروها لغة تعبر عن حجم التدخلات الإيرانية وتحول حزب الله لدولة داخل الدولة، وهي المفردة التي استخدمها الحريري في خطابه.

واحد من المعطيات الهامة التي توقف عندها اللبنانيون كان وسيلة إيصال رسالة الاستقالة لهم، حيث اختار الحريري، أو اختير له كما يقول خصومه، أن يعلنها في خطاب مسجل بث عبر قناة العربية السعودية، ولم يبث عبر القناة التي يملكها الحريري "المستقبل" واعتاد بث رسائله للبنانيين عبرها.

نهاية عام التوافق
وأبرز ما تعنيه هذه الاستقالة إعلان نهاية التوافق الهش الذي أنتج حكومة الوفاق في لبنان بدعم من السعودية وإيران وأطراف دولية عدة وانتهى لانتخاب ميشيل عون -حليف حزب الله- رئيسا للبنان، والحريري رئيسا للحكومة، واستقبلت بموجبه الرياض وعواصم الخليج الجنرال عون، واستقبل الحريري مبعوثي طهران الذين لا ينقطعون عن بيروت.

المفاجآت غابت عن الردود القادمة من السياسيين اللبنانيين الذين لم يغادروا اصطفافاتهم يوما، وإن كانوا قد خففوا من حدة تصريحاتهم في أشهر "عام التوافق" الذي انتهى باستقالة الحريري.

الأعين تتركز على بيروت هذا المساء ترقبا للرد الأهم الذي سيأتي في خطاب متوقع للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، الذي نقل عنه تلفزيون الجديد اللبناني اعتباره أن ما جرى "هو جنون سعودي، وسننتظر الأيام المُقبلة ليُبنى على الحدث مقتضاه".

وأضاف نصر الله في لقاء داخلي اليوم الأحد مع المئات من قادة السرايا اللبنانية "لا أرى حربا قريية والحرب القادمة ستكون مصيرية وحاسمة".


حالة الفانتازيا اللبنانية دفعت سياسيين بارزين لإطلاق تصريحات بدت غريبة، فالوزير السابق الحليف لحزب الله وئام وهاب طالب الرئيس ميشيل عون بالاجتماع بسفراء الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن لمطالبتها بإعادة الحريري الذي قال إنه "محتجز" في الرياض.

وأمام المصير المجهول الذي يبدو أنه ينتظر لبنان وربما المنطقة برمتها، عاد اللبنانيون لممارسة أدوارهم التقليدية، في الاصطفاف، وتبادل الاتهامات بالعمالة، وغيرها من مفردات حولت وطنهم لصندوق بريد عادة ما تتناقل الأطراف الإقليمية عبره الرسائل السياسية، لكن الخشية هذه المرة أن تتحول إلى رسائل متفجرة.
المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع التواصل الإجتماعي

التعليقات