مذبحة خان يونس 1956.. ذكرى الموت المروع

مذبحة خان يونس 1956.. ذكرى الموت المروع

لوحة تجمع صورا لشهداء بمجزرة خان يونس عام 1956 (الجزيرة)
لوحة تجمع صورا لشهداء بمجزرة خان يونس عام 1956 (الجزيرة)

محمد عمران-خان يونس

لا تزال ذاكرة السبعيني تكريم البطة مثخنة بمشاهد مؤلمة لعمليات إعدام وقتل جماعي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق مئات الفلسطينيين من سكان مدينة خان يونس خلال حملتها لاحتلال قطاع غزة عام 1956.

تكريم ذو الأعوام العشرة آنذاك كان شاهدا على تفاصيل مروعة، فشقيقه نديد استشهد بإطلاق الرصاص عليه بينما كانت العائلة تهمّ بالخروج من منزلها بناء على أوامر الاحتلال للتجمّع بساحة مقابلة.

بيد أن الصورة الأكثر دموية -حسب تكريم- كانت مشاهدته جثث العشرات، ومن بينهم شقيقه الثاني حسن، والدماء تتدفق من رؤوسهم وصدروهم جراء إطلاق الرصاص عليهم بشكل مباشر، بينما كانت بعض الجثث ممزقة وأخرى تلتصق أجزاء منها بجدران أجبر الضحايا على الوقوف أمامها.

ويستذكر تكريم تلك اللحظات بحزن عميق سيطر على ملامح وجهه، حيث جثا الآباء والأمهات على أقدامهم من شدة الصدمة وهم يفتشون عن أبنائهم بين الجثث، لتعلو صرخات من وجدوا فلذات أكبادهم مدرجين بالدماء، بعضهم لفظ أنفاسه الأخيرة وبعضهم ما زال بالرمق الأخير قبل الموت.

وتشكل الرواية السابقة جزءاً من فصول مجزرة مدينة خان يونس التي كان بدأت في صباح الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 1956 وراح ضحيتها المئات من مختلف مناطق المدينة، من دون أن يدرك أهلها آنذاك حجم المجزرة التي اقترفها الاحتلال إلا عندما سمح لهم بدفن الجثث لاحقاً لتتكشف أعداد الضحايا.

مهرجان يحيي الذكرى 61 لمجزرة خان يونس حيث كرم بعض ذوي الشهداء (الجزيرة)

المجزرة
وبدأت خيوط المجزرة بإلقاء الاحتلال منشورات من الطائرات تحذر السكان من مقاومة القوات الإسرائيلية، قبل أن تدفع بآلياتها العسكرية بشوارع خان يونس وتطالب عبر مكبرات الصوت بخروج الذكور من عمر 16 وحتى 50 عاماً.

وبينما أطلق الجنود الرصاص على المتجمعين بالساحات العامة بشكل عشوائي، لم ينج من بقوا بمنازلهم من القتل أمام أعين عائلاتهم كما حدث مع أقارب حسن صادق ابن الثلاثة عشر عاماً آنذاك، حيث اختبأ خلف حصيرة مستندة على الحائط وظل يشاهد عمليات إطلاق الرصاص على أبناء عمومته وجسمه يرتعش من الخوف.

ويروي للجزيرة نت والدموع تفيض من عينيه، أن عمته قبلت أيدي وأقدام أحد الجنود من أجل عدم قتل ابنها خليل ذي الستة عشر ربيعا، وأحضرت أوراقا ثبوتية بأنه طالب مدرسة لكن من دون جدوى، حيث أطلق الرصاص عليه قبل أن يجلب الجنود ثلاثة فتية من أقاربه كانوا بغرفة مجاورة ويطلقوا الرصاص عليهم.

ومن بين ما تزخر به ذاكرة صادق من تفاصيل لعمليات الإعدام، عبارة قالها جندي إسرائيلي لآخر عندما همّ بقتل كلب حاول منعه من إطلاق الرصاص، "يأيها اليهودي إذا وجدت كلبا يتمرغ بالطين فحاول أن تنقذه، وإذا وجدت عربيا يتمرغ بالطين فضع قدمك على رأسه حتى يموت".

جمعة المصري شقيق الشهيد رويعي قضى بمذبحة خان يونس 1956 (الجزيرة)

قساوة وصدمة
ورغم قساوة المشاهد التي عايشها صادق بمنزل عمته، فإن صدمته الكبرى كانت باليوم التالي عندما ذهب ليجلب جثمان شقيقته نعمة التي استشهدت بحي مجاور، لتجبره شدة القصف الجوي على النزول لملجأ وسط خان يونس، حيث فوجئ بعشرات الجثث لفلسطينيين وجنود مصريين أعدموا بشكل جماعي.

وتتشابه حكاية الحاج جمعة المصري (84 عاماً) مع روايات عديدة ممن عايشوا مجزرة خان يونس 1956، حيث اقتيد مع العشرات بساحة مدرسة ثم أطلق الرصاص عليهم جميعاً بشكل عشوائي وسريع، لكنه نجا لوقوعه بين جثث عديدة من دون أن ينتبه إليه جنود الاحتلال آنذاك.

ويروي أنه شاهد شهداء وجرحى بمعظم مناطق خان يونس التي مر بها، خلال محاولة عائلته الفرار من منزلهم إلى منطقة أكثر أمانا، بينما استشهد شقيقه رويعي خلال فراره إلى مدينة رفح.

وفي مقابل فداحة المجزرة التي تتجاوز بأعداد ضحايا وتفاصيلها المروعة مجازر أخرى ارتكبها الاحتلال بحق الفلسطينيين، لكنها بحسب الحاج المصري لم تحظ بحقها من التوثيق التاريخي والسياسي والإعلامي، حتى إن أجيالا كثيرة من الفلسطينيين ومن أهل خان يونس نفسها لا يعرفون سوى اليسير عن المجزرة، وفق تقديره.

الأسطل اعتبر مجزرة خان يونس فريدة كونها ارتكبت بإرهاب دولة وليس من قبل عصابات وأودت بمئات الأشخاص (الجزيرة)

مئات الشهداء
ورغم توثيق استشهاد نحو 520 مدنيا فلسطينيا بالمجزرة، فإن أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأقصى الدكتور سامي الأسطل يعتقد أن الأعداد تتجاوز ذلك، إذا ما أخذ بعين الاعتبار الشهداء غير الموثقين وأضفنا إليهم أعدادا أخرى من الجنود المصريين والفلسطينيين.

ويصف الأكاديمي مجزرة خان يونس بالفريدة، كونها ارتكبت بإرهاب دولة إسرائيل المنظم وليس من قبل عصابات يهودية كما حال مذابح أخرى، كما أن معظم المذابح تحدث ليلا ولساعات محدودة، لكن خان يونس شهدت مذبحة في وضح النهار واستمرت لأيام عدة، حسب قوله.

وبينما يذكر أستاذ التاريخ أن شهداء مجزرة خان يونس أكبر من ضعف شهداء مذبحة دير ياسين وعشرة أضعاف مذبحة كفر قاسم، يدعو لتشكيل لجنة وطنية لتوثيق المذبحة وتفاصيلها بشكل مهني من الناحيتين التاريخية والقانونية.

ولم تأت المصادر الإسرائيلية - بحسب الأكاديمي الفلسطيني - على ذكر مذبحة خان يونس، رغم أن قطاع غزة خضع للاحتلال الإسرائيلي كجزء من العدوان الثلاثي على مصر، بدءا من شهر نوفمبر/تشرين ثاني 1956 وحتى مارس/آذار 1957 قبل عودة القطاع مجددا لحكم الإدارة المصرية.

ووثقت الأمم المتحدة مقتل 250 فلسطينيا في خان يونس، ولم تتحدث عن مذبحة اقترفها جيش الاحتلال بحق المدنيين أو تحمله أي مسؤولية، وبالتالي لم تقدم مذكرات قانونية لإخضاع أي من قادة الاحتلال للمساءلة بارتكاب جرائم حرب منذ المذبحة وحتى الآن.

المصدر : الجزيرة