من بين الصحف الورقية التونسية التي عرفت نكسة صحف "الصدى والمصور والصباح الأسبوعي" التي أغلقت بسبب احتدام المنافسة بعد تكاثر الجرائد والإذاعات والتلفزات بفضل ارتفاع منسوب حرية التعبير عقب الثورة، في حين بقيت سوق الإعلانات الحكومية بلا تنظيم.

خميس بن بريك-تونس

تعيش الصحافة المكتوبة في تونس وضعا لا تحسد عليه جعل بقاءها في المشهد الإعلامي مهددا بالاندثار نتيجة تصاعد تأثير شبكات التواصل والمواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام السمعي البصري، ما أدى إلى تراجع مبيعاتها وحجم إعلاناتها في وقت تعاني فيه من ارتفاع التكاليف.

وبينما توقفت عديد الصحف عن الصدور بسبب المصاعب المالية التي عاشتها في ظل طفرة هائلة شهدتها المواقع والشاشات والإذاعات بفضل التطور التكنولوجي، تعترض عديد الصحف العريقة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى عقود طويلة صعوبات خانقة تهددها بـ الإفلاس.

وتشكو مثلا صحيفتا "لابراس" الناطقة بالفرنسية و"الصحافة" الناطقة بالعربية التابعتان للدولة من صعوبات مالية خانقة. كما تعاني "الصباح" الناطقة بالعربية و"لوتون" الناطقة بالفرنسية التابعتان لدار "الصباح" أقدم صحيفة خاصة بالبلاد من ضائقة كادت تحجبها.

ومع أن هذه الصحف اليومية تصارع من أجل البقاء وتنتظر مثل بقية الصحف دعما حكوميا يعيد لها بريقها المفقود، كان الأمر تراجيديا للبعض الآخر. فقبل أشهر تعالت أصوات الصحفيين في جريدة "التونسية" اليومية لإنقاذ مؤسستهم، لكن الأزمة المالية وضعت حدا لمشوارها.

تجربة "البيان"
خلال نفس تلك الفترة، تفاجأ الجميع بحجب صحيفة "البيان" الأسبوعية التي أسسها عام 1977 الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة الذي ينضوي تحت لوائه أصحاب رؤوس الأموال. ويعود سبب غلقها إلى تراجع نسبة مبيعاتها وتكبدها خسائر كبيرة مما جعلها تتحول لموقع إلكتروني.

اعتصام سابق لصحفيين بجريدة "التونسية" (الجزيرة)

نفس المصير المحتوم واجهته صحيفة "الإعلان" الأسبوعية قبل عام من الآن. فعقب مسيرة دامت ثلاثة عقود اضطر مالكها إلى غلقها بسبب ارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع، في وقت شهد فيه سحبها من السوق تراجعا علاوة على تدني عائداتها من الإشهار العمومي غير المنظم.

ومسلسل إغلاق الصحف اليومية والأسبوعية أصبح كابوسا يؤرق العناوين الورقية في ظل عدم اعتماد مقاييس واضحة وشفافة من قبل الحكومات المتعاقبة في توزيع البلاغات والإعلانات الرسمية على الصحف، وذلك عقب الثورة التي مضى على ذكرى اندلاعها ستة أعوام.

ومن بين الصحف الورقية التي عرفت نكسة صحف "الصدى، المصور، الصباح الأسبوعي" التي أغلقت بسبب احتدام المنافسة بعد تكاثر الجرائد والإذاعات والتلفزات بفضل ارتفاع منسوب حرية التعبير عقب الثورة التونسية، في حين بقيت سوق الإعلانات الحكومية بلا تنظيم.

يقول رئيس نقابة الصحفيين ناجي البغوري للجزيرة نت إن عديد الصحف الورقية أغلقت أبوابها لأنها كانت تعيش من عائدات الإشهار العمومي الذي تسنده وكالة الاتصال الخارجي، ووقع حلها عقب الثورة لاتهامها بتلميع صورة نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

البغوري يوضح بأن الإعلانات العمومية كانت توزع من قبل وكالة الاتصال الخارجي على الصحف الورقية من أجل خلق ولاءات للنظام السابق، وأيضا بهدف معاقبة الجرائد التي كانت تنتقد النظام، وأغلبها كانت من صحف المعارضة مثل صحف "الموقف، الطريق الجديد، مواطنون".

بيد أن غلق الوكالة لم ترافقه إجراءات حكومية لتنظيم قطاع الإعلانات العمومية الذي أصبح يخضع للمعاملات المباشرة بين الوزارات والإدارات وبين الصحف الورقية، ما ساهم في تأزيم الوضع لأن الإعلانات بقيت تتوزع على نفس الصحف القديمة ولو بحجم أقل، وفق البغوري.

وقد شهدت صحف تعد وليدة الثورة مثل "الأولى" و"الراية" انتكاسة سريعة بسبب عدم تمتعها بالإشهار. ويقول البغوري للجزيرة نت إن تراجع حجم الأموال المرصودة للإعلانات الحكومية بسبب الأزمة الاقتصادية التي عرفتها البلاد أجبر بعض الصحف الجديدة على الغلق لضعف إمكاناتها.

 ناجي البغوري: الإعلانات وزعت في السابق لخلق ولاءات (الجزيرة)

اضمحلال الرموز
لكن المؤسف بالنسبة له هو أن تضمحل صحف رمزية في تاريخ الإعلام التونسي مثل "الموقف، الطريق الجديد، مواطنون" التي قاومت نظام الاستبداد لكنها اندثرت "لأنها أصبحت تخضع بعد الثورة لمنطق السوق والتوازنات المالية بعدما كانت تخضع لمنطق النضال".

وبقطع النظر عن الصعوبات المالية وعلاقاتها بارتفاع تكاليف الطبع والتوزيع وأزمة الإعلانات، يرتبط غلق الصحف الورقية بارتفاع تأثير وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل على الرأي العام باعتبارها تنقل المعلومات مجانا وأسرع من الصحف.

وفي السياق، يقول البغوري إن المواطن لم يعد يحمل عناء الذهاب إلى الأكشاك لشراء الصحف الورقية من ماله الخاص لأن المعلومات أصبحت تأتيه أولا بأول على هاتفه الخاص عبر شبكات التواصل والمواقع الإلكترونية التي ينخفض حجم مصاريفها جدا مقارنة بمصاريف الصحف.

وتعتبر المواقع للإذاعات الأكثر تصفحا، وتأتي على رأسها الإذاعات الخاصة مثل "موزاييك، جوهرة أف أم، شمس أف أم" بينما تحافظ بعض المواقع على نسب هامة من عدد الزوار مثل موقع "آخر خبر أون لاين، تونيسكوب، الشروق، باب بنات، الصدى" وغيرها.

المصدر : الجزيرة