حصلت وحدة التحقيقات في شبكة الجزيرة على بيانات من ثلاثة هواتف نقالة تعود ملكيتها إلى نائب الرئيس أحمد أديب، تكشف هذه المعلومات عن الكيفية التي كان يعمل من خلالها "الأخوة الثلاثة".

يقول أحد الرجال الثلاثة الذين تناط بهم مهمة توصيل حقائب الأوراق النقدية إلى رئيس المالديف "الأموال يصعب نقلها".

بالنسبة لمن يتعاملون معهم، يُعرفون ببساطة بأنهم "الإخوة"، إنهم عدد من الشباب الهاربين من حكومة المالديف والذين جاءوا يطلبون اللجوء في المملكة المتحدة، يوجد في أيديهم المفتاح الذي يمكن من خلاله فهم الفساد المستشري في بلادهم وكيف يعمل، وذلك لأنهم كانوا في يوم من الأيام في قلب هذه العملية.

يقول أحدهم "أظن أن أكبر خبر يمكن أن أقوله لك يتعلق بالفساد، ولهذا يشعر الرئيس بالخوف، أقصد أن أقول إنه لم يعلم أنني كانت لدي كل المعلومات".

في اعترافات سجلت سراً لهم وحصلت الجزيرة عليها، يجلس ثلاثة منهم يشرحون بكل هدوء كيف كانوا يحملون المال إلى الرئيس وإلى كثير من النخب السياسية في المالديف. يقول أحدهم ضاحكاً وهو يشرح كيف كان ينقل الحقائب السوداء المحشوة بالدولارات "أما بالنسبة للرئيس فالأموال يصعب حملها".

هؤلاء "الأخوة" كانوا في يوم من الأيام أشقياء المالديف الذين لا يخشون رقيباً ولا حسيباً، وكانوا يخالطون نجوم الفن ورؤساء العصابات الأرمنية حسبما يزعمون، أما اليوم فهم يختبئون في ويلز البريطانية حيث يقضون فيها شتاء طويلاً وماطراً.

كيف آلت أوضاعهم إلى ما هم فيه الآن هو الأمر الذي يتوفر لديهم ولدى زعيمهم الكثير من الوقت ليتدبروا بشأنه.

نائب الرئيس أحمد اديب (الجزيرة)

الزعيم
كل واحد من هؤلاء الرجال، سواء بشكل رسمي أو غير رسمي، عمل لدى أحمد أديب الذي يقال إنه كان في يوم من الأيام أكثر السياسيين نفوذاً في البلاد، فحتى أكتوبر/تشرين الأول 2015 كان يشغل منصب نائب الرئيس وكان كذلك "زعيم جميع العصابات في المالديف"، كما تباهي في رسائل نصية أرسلها ذات مرة إلى واحدة من صديقاته العديدات.

ثم وقع انفجار في قارب الرئيس، وتغيرت الأحوال بالنسبة لأديب وأترابه، الذين باتوا يتصدرون قائمة المشتبه بهم.

قبع أديب اليوم في السجن، وما من يوم يمر إلا وتعقد فيه محاكمة جديدة توجه إليه فيها مجموعة جديدة من التهم، حكم عليه حتى الآن بتهمة الإرهاب والفساد، ويُتوقع له المزيد. أما محاموه فيتوقعون أنه عندما تنقضي القضايا المرفوعة ضده سيكون محكوماً عليه بما مجموعه مائة عام من السجن.

حصلت وحدة التحقيقات في شبكة الجزيرة على البيانات من ثلاثة هواتف نقالة تعود ملكيتها إلى نائب الرئيس أديب، تكشف هذه المعلومات عن الكيفية التي كان يدير من خلالها "الأخوة"، كما تميط اللثام عن وجود عصابة من الفاسدين من المسؤولين وضباط الشرطة والقضاة وأعضاء البرلمان.

الهروب
بعد القبض على أديب، أفلت "الأخوة" من السجن وهربوا من بلدهم إلى سريلانكا، مصطحبين معهم هواتف أديب الذكية الثلاثة وكذلك جهاز اللابتوب الخاص به.

في البداية ظنوا أنهم في مأمن، ثم في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي ألقي القبض على أحدهم، وهو أحمد أشرف، المعروف محلياً باسم "شومبا غونغ" كان في الثامنة عشرة من عمره فقط، ولكنه كان بارعاً في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وهو الذي تزعم الحملة التي استهدفت الترويج لأديب وإيجاد قاعدة شعبية له من خلال التعريف به في مواقع الإنترنت.

مذكرة انتربول (الجزيرة)

أعيد إلى المالديف حيث يقول محاموه إنه تعرض للتعذيب، وحيث يواجه تهماً منها إصدار تهديدات بالقتل.

أما الآخرون فنجوا من المصير نفسه حيث استقلوا طائرة متوجهة إلى لندن وباتوا الآن في حضن المعارضة في المنفى، كانت حسبتهم أن ذلك هو الأسلوب الأمثل لضمان سلامتهم والحيلولة دون الوقوع في قبضة حكومة المالديف، وقد بدأوا فعلاً في الحديث عن الفساد مقابل توفير الحماية لهم.

بادروا سريعاً بالتقدم بطلبات اللجوء نظراً لإصدار حكومة بلادهم مذكرات توقيف دولية بحقهم من خلال نظام الشرطة الدولية الإنتربول، وفجأة ظهرت صور وجوههم في مختلف مواقع الإنترنت بوصفهم هاربين مطلوبين للعدالة.

لم يتوان المدعي العام المالديفي عن توجيه التهم إليهم، محمد علام لطيف، الشهير باسم موهو، وعمره 26 عاماً، ومحمد حسين، الشهير باسم أويتي، وعمره 36 عاماً، وأحمد إشفاه علي، وعمره 27 عاماً، متهمون بالتهديد بإحداث كارثة، وبالتخريب الإجرامي للممتلكات، وباستخدام أسلحة خطيرة أثناء ارتكاب جنحة، وبالتهريب، وبحيازة سلاح وبالإرهاب.

النزوع نحو الفساد
يقول موهو "كان أديب صديقاً للعائلة طوال الثلاثة عشر عاماً الماضية"، كانت علاقة مربحة، حصل موهو بفضلها على جزيرة من جزر الفردوس بينما كان يدير شركة تصميم غرافيكس اسمها سكورز أوف فلاير بي في تي ليمتد، كانت مبيعات الشركة النقدية الإجمالية مرتفعة بشكل غير عادي وذلك لأنها ساعدت أديب على اختلاس 70 مليون دولار.

احمد أديب تولى وزارة السياحة ثلاث سنوات (الجزيرة)

في شهادته المصورة، يشرح موهو كيف كان الفساد يعمل، ما بين عام 2012 وعام 2015 قاد أديب وزارة السياحة، التي تلقت 100 مليون دولار عبر وكالة تأجير للجزر اسمها مؤسسة المالديف للتسويق والعلاقات العامة.

أعيد تحويل ما يقرب من 80 مليون دولار من ذلك المبلغ مباشرة إلى حسابات خارج الوزارة، 70 مليون منها إلى شركة سكورز أوف فلاير بي في تي ليمتد. وكان عبد الله زياث، العضو المنتدب لمؤسسة المالديف للتسويق والعلاقات العامة قد غير القواعد التي تعمل بموجبها الوكالة، بما يسمح له بالتوقيع وختم الشيكات الواردة من كبار التجار في عالم السياحة وتحويلها إلى حساب آخر.

لم تصل الأموال حسابات الحكومة أبداً، فقد كانت الشيكات تدفع لحساب سكورز أوف فلاير أو لحساب شركات ترتبط بعائلة أديب، تقوم سكورز أوف فلاير بعد ذلك باستخدام المال لدفع مخصصات لمختلف أنواع الناس بناء على تعليمات من أديب.

دفعت سكورز أوف فلاير 210 آلاف جنيه استرليني إلى تشيري بلير زوجة رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وذلك مقابل خدمات قدمتها مؤسستها القانونية "أومنيا" لحكومة المالديف. يقول موهو وإشفاه إن سكورز أوف فلاير دفعت أيضاً فواتير لنجوم غناء البوب شون بول و آكون.

 كان من المفروض أن يقدم شون بول عرضاً غنائياً في المالديف في عام 2014 إلا أن تهديدات له بالقتل دفعته إلى إلغاء الحفل الغنائي. وأما آكون فقد قدم عرضاً غنائياً في الثامن من يناير (كانون الثاني) 2015.

لم يصدر عن أحد ما يشير إلى أن السيدة بلير أو شون بول أو آكون كان لهم أي معرفة بالنشاطات غير المشروعة التي يرد وصفها في هذا المقال.

 حقائب الأوراق النقدية
كان موهو يلعب دوراً مركزياً في عملية اختلاس أموال الدولة، حيث يقول مدير سكورز أوف فلاير "أتلقى مكالمة من السيد أديب، الذي يقول لي إنك ستتلقى مكالمة من زياث، أرسل شخصاً ليستلم الشيك"، يقوم موهو عندها بإيداع الشيك الموقع على ظهره والمختوم من قبل زياث في حساب شركته سكورز أوف فلاير. ثم يقوم بعد ذلك مباشرة بسحب كميات كبيرة من النقد، الذي ينقله في حقائب "سفر سوداء" إلى أديب وإلى الرئيس وإلى حلفائهما.

يسأل المحاور "حقيبة مملوءة بالأوراق النقدية؟" فيجيب موهو "نعم، بعض الحقائب تذهب إلى مكتب بي بي إم (الحزب الحاكم)، وبعض الحقائب تذهب إلى السيدة الأولى، بينما تذهب أخرى إلى السيد أديب".

يقول موهو إنه تلقى أيضاً طلبات من الرئيس يمين ومن نائب الرئيس أديب بإرسال حقائب الأوراق النقدية إليهما "يتحدث على الهاتف، عن طريق السماعة، فيأمره الرئيس بأخذ المال وقسمته إلى قسمين، وأن يرسل حقيبة واحدة إليه، وكنت أنا الشخص الذي يأخذ الحقيبة إليه" .

ويقول موهو إنه أودع شيكات بشكل مباشر في حساب الرئيس لدى بنك مالديف الإسلامي، "قبل أن يلقى القبض على نائب الرئيس طلب مني أن أودع شيكاً في حساب الرئيس، مباشرة في حسابه. معاملتان. كانتا معاملتين اللتين قمت بهما".

"كان لابد من أجل الوصول إلى هذا البنك المرور بسلطة النقد المالديفية، ولذلك يستغرق إجراء المعاملة ثلاثة أيام، ولكني لاحظت أنها عوملت معاملة خاصة فمرت بسرعة، وتم تحويلها في نفس ذلك اليوم، خلال ثلاث ساعات كان المبلغ مودعاً في ذلك الحساب".

وفي بيان مكتوب أصرت حكومة المالديف على أنه لا يوجد في هذا التقرير أي دليل يربط الرئيس يمين أو أي من المسؤولين الحاليين في حكومته بارتكاب أي مخالفات أو انتهاكات، ويقولون إن الرئيس كان قد بدأ تحقيقا شاملا في هذه المزاعم.

النظام الذي أفسد
كان أحمد إشفاه علي سكرتير شركة سكورز أوف فلاير وعمل لدى موهو، يقول عن ذلك: "في بعض الأوقات تكون كميات المال التي تأتي إلى سكورز أوف فلاير بي في تي ليمتد ضخمة جداً، نقد داخل ونقد خارج دائما لأنها تدخل فإنها تخرج تارة أخرى".

"في مرات قليلة ذهبت وقابلت بعض كبار الشخصيات في الحكومة. أذهب شخصياً لأسلم المال والشيكات في معظم الوقت".

"أقل الشيكات قيمة يكون في العادة 100 ألف دولار" كما يقول، ويمضي في سرد قائمة بأسماء كبار السياسيين في المالديف وكذلك أقارب الرئيس، ممن يتلقون مخصصات من الأموال المختلسة.

يقول موهو عن المالديف في ظل حكم الرئيس يمين "لقد استشرى الفساد في النظام بأسره، منذ أن جاء إلى السلطة وهو يرشي أعضاء البرلمان والقضاة والمحامين وكل من يخطر بباله".

"إنه ثقيل جداً"
كان محمد "أويتي" حسين يعمل سائقاً لدى نائب الرئيس أديب، من حيث العمر هو أكبر من "الأخوة" الآخرين، يتحدث عن أديب مبيناً كيف كان وإياه "أصدقاء طفولة" منذ سنوات المدرسة، وكيف كانا يلعبان كرة القدم معاً ثم بعد ذلك ذهبا معاً للدراسة في سريلانكا.

عندما كان أديب وزيراً للسياحة لم يكن يثق بسائقه الرسمي، فانتهى به المطاف أن طلب من أويتي أن يسوق له وأن يقوم بتوصيل حقائب الأوراق النقدية أيضاً.

يقول أويتي "في بعض الأوقات كنت أسأله عما في الحقائب، وكان يقول لي إنها محشوة بالمال، لقد كانت ثقيلة جداً".

يضيف بكل هدوء "لقد أوصلت المال إلى الرئيس، كنت أتصل بأديب، وأخبره بأن لدي في حوزتي هذه الأموال، فأين أحتفظ بها؟ في بعض الأوقات كان يقول لي بأننا سنحتفظ بها في البيت، وفي بعض الأوقات يقول لي إننا سنحتفظ بها في المكتب، ثم في بعض الأوقات يقول لي أن أذهب وأسلمها إلى الرئيس".

يروي أويتي الحكاية التالية "في مرة من المرات، كان يمين غاضباً مني، وذلك أن أديب أرسل إلي رسالة نصية يطلب فيها مني أن أسلم مائة، فظننت أنه المطلوب هو مائة ألف دولار، أخذت رزمتين كل رزمة فيها خمسين ألفاً".

"نزل يمين إلى تحت، جاء بنفسه إلى الأسفل، فسلمته المال"، إلا أن الرئيس لم يسعده ذلك، حتى إن أويتي يقول إنه قطب في وجهه "قال لي إن من المفروض أن أسلمه مليون دولار ولم أسلمه سوى مائة ألف،  فكان لزاماً علي أن أعود إلى مقر يمين جاء وأخذ المال. كان ذلك تقريباً في حدود الساعة الواحدة ليلاً".

التوريط
لماذا لجأ الرئيس إلى استخدام هذه الشبكة المنحرفة من الصبية التي كان يتحكم بها نائب الرئيس لاختلاس ملايين الدولارات من أموال الدولة؟.

 يقول إشفاه "حتى لا يكون هناك دليل ضده، بإمكانهم في نهاية المطاف أن يبقوا خارج الصورة، نحن من يوجد داخل الصورة، أما كل أولئك الناس الذين تلقوا تلك الأموال وحصلوا على تلك الأشياء، فأسماؤهم ليست هناك".

 يشكو موهو "لم يكن لدي أي اهتمام بالسياسة أو بأي شيء، أقصد أنني لم أكن أرغب في تهديد أحد، لكن الآن علي أن أحاول من أجل البقاء على قيد الحياة".

في هذه اللحظة، ما يعنيه ذلك هو الاختباء والأمل في الحصول على اللجوء السياسي، طالما أن الرئيس يمين في السلطة فإن العودة إلى الفردوس ستبقى مستحيلة.

وفي بيان مكتوب أصرت حكومة المالديف على أنه لا يوجد في هذا التقرير أي دليل يربط الرئيس يمين أو أي من المسؤولين الحاليين في حكومته بارتكاب أي مخالفات أو انتهاكات، ويقولون إن الرئيس كان قد بدأ تحقيقا شاملا في هذه المزاعم.

المصدر : الجزيرة