يعتبرها محيي الدين، وهو عجوز طاجيكي، رحلة العمر، ولا يرى رغم سنه المتقدمة في مشاعر الحج والحركة الدائمة فيه والمشي لمسافات طويلة ما يدعو للتذمر. ويقول "فريضة مثل الحج تستحق منا الصبر والتحمل، وأنا استمتع بهذه الزيارة".

علي صبري-مكة المكرمة

يصعب أن تستشعر معنى أن منطقة جبلية جرداء تكون مهوى للأفئدة، ويتوافد الناس إليها بمئات الآلاف من أقاصي الأرض، حتى ترى آلاف المصلين والمعتمرين والحجاج يتسابقون لدخول بيت الله الحرام، رغم المشقة والمرض وعوائق أخرى.

ويتجلى تعلق المسلمين ببيت الله الحرام بالطواف قبيل الفجر، وقد ملؤوا صحن المسجد، يتكئ المسنون منهم على أبنائهم وبناتهم، ويتهادون في مشيتهم لكبر سنهم أو لألم في أبدانهم، ويمسك بعضهم بطرف رداء بعض حتى لا يتوهوا بين الحشود، وعيونهم متسمرة على الكعبة المشرفة.

ويردد بعض الطائفين في مجموعات أدعية ويناجون الله رب العالمين خلف مرشدهم، بألسنة شتى، بعضهم يقدر على ترديد الدعاء بشكل سليم، وبعضهم يردده كيفما استطاع، لكنهم جميعا يشتركون في التوجه نحو رب الكعبة.

في البيت الحرام وفي الشهر الحرام يختلف كل شيء، التسابق للصلاة، وليس أي صلاة، صلاة الفجر تؤديها جموع تسد الأفق، وتظن أن حضورك قبل ساعة من الأذان هو تبكير للصلاة لتحجز مكانا في صحن المسجد، فإذا بها مهمة تستغرق 45 دقيقة لتجد موطئ قدم تصلي فيه في الطابق الثاني من المسجد. وتتساءل متى حضر كل هؤلاء لصلاة الفجر، وما بال صلاة الفجر في بلداننا تختلف عن الصلاة هنا.

المسلمون يأتون من مختلف المناطق في العالم لأداء شعيرة الحج (الجزيرة)

متعة العبادة
تطوف في الطوابق العلوية لا بغية الطواف ولكن لتجد مكانا تقف فيه وتطل منه على الكعبة، فلا تجد، حيث إن الكثيرين يحجزون مكانا شبه دائم لهم على الشرفات المطلة على صحن المسجد، ليبقى مطلا على الكعبة، يستمتع بالنظر إليها والدعاء، ولا يريد مغادرة المكان، ولعلها أصدق صورة للأفئدة التي تهوي إلى هذا المكان.

وإذا كان من الطبيعي أن يتعلق العرب ببيت الله الحرام، لإدراكهم مكانته الدينية، ويعلمون تفاصيل المكان، سواء بناء الكعبة أو المسعى أو تاريخ الإسلام الذي ولد في مكة المكرمة، فإن اللافت هو تعلق المسلمين من غير العرب بفريضة الحج وقدسية المكان، وربما ليس لديهم من المعلومات إلا القليل عنه.

ويعتبر محيي الدين، وهو عجوز طاجيكي، هذه الرحلة رحلة العمر، ولا يرى -رغم سنه المتقدمة- في مشاعر الحج والحركة الدائمة فيه والمشي لمسافات طويلة ما يدعو للتذمر، ويقول "فريضة مثل الحج تستحق منا الصبر والتحمل، وأنا أستمتع بهذه الزيارة".

أما عبد الواحد، الكيني ذو الـ53 عاما، فيقول إنه رغم حجه قبل عشر سنوات إلا أن وجوده في هذه البقاع المقدسة جعله يشعر أنه يزور هذا المكان للمرة الأولى، فمشاعره متدفقة والحماس يملؤه لأداء مناسك الحج كما في المرة السابقة، مؤكدا أن التسهيلات المقدّمة هذه الأيام تجعل أداء الفريضة أيسر من أدائها قبل عشر سنوات، وهو ما يشعره بالارتياح والسعادة.

كما يرى العجوز الإندونيسي أمين محمد أن "رحلة العمر" تستحق انتظار السنوات الطويلة للحصول على تأشيرة الحج، ويقول "نصبر لسنوات حتى يأتي دورنا، والمحظوظ فينا من يحج قبل أن يتوفاه الأجل".

المصدر : الجزيرة