عاطف دغلس-نابلس

تحولت طاولة المطعم المهدم في قرية سبسطية بمحافظة نابلس إلى غرفة عمليات، وبدلا من تقديم الطعام للزبائن افترش المقهورون من ظلم الاحتلال صور الدمار والخراب الذي ألحقه جنوده بمبانيهم قبل أيام عندما اقتحمها بجرافاته وآلياته العسكرية.

فمنذ 25 يوما هدم الاحتلال الإسرائيلي محلين تجاريين إحداهما مطعم والآخر مشغل للخزف في القرية يعودان للمواطنين نائل رزق الله وأحمد ذياب، وذلك تزامنا مع فترة النشاط السياحي الذي تعيشه القرية كل عام.

واستغل الرجلان حضور وفود إعلامية جاءت إلى القرية، لتسليط الضوء على انتهاكات الاحتلال ومحاولاته البائسة "زورا وبهتانا" السيطرة على الأرض وتحريف تاريخها وسرقة أثارها.

يقول الستيني أحمد ذياب (أبو فارس) صاحب مشغل الخزفيات إنه لم يبع بدولار واحد منذ الهدم، بعد أن ردم الاحتلال مصنعه وأدواته تحت الأنقاض وتسبب بخسارة كبيرة له.

لكن الأسوأ -والكلام لأبي فارس- أنه لم يعد بإمكانه إعادة تشييد معمله، ليس فقط لسبب مادي، وإنما نتيجة تخوفه من هدم قادم يحدق به. 

أحمد ذياب لم يعد بإمكانه تشييد معمله خوفا من الهدم مجددا (الجزيرة)

 مواصلة الصمود
في المقابل، لم يستسلم المواطن نائل رزق الله -الذي قدرت خسارته بأكثر من عشرين ألف دولار- وأعاد تشييد مطعمه مرة ثانية على نفقته، بينما لم يزره أي من المسؤولين حتى الآن أو يطّلع على معاناته.

يقول رزق الله -الذي يعيل هو وشقيقه الذي يعمل إلى جانبه في المطعم أكثر من عشرين فردا- إن إخطار الاحتلال لم يكن بالهدم وإنما بوقف البناء والسير قدما في إجراءات الترخيص، وأضاف أنهم تقدموا لذلك عبر مؤسسات حقوقية وقانونية ولم يتلقوا منها ردا سلبا أو إيجابا.

وتقسم إسرائيل قرية سبسطية إلى ثلاث مناطق وفقا لاتفاق أوسلو، هي: "أ" و"ب" و"ج"، وتقع المدينة الأثرية -الكنعانية الأصل الرومانية الحضارة- ضمن التصنيف الأخير الذي يُتيح لإسرائيل السيطرة عليه ومنع أية أعمال ترميم أو تنقيب فيها مطلقا.

نائل رزق الله يعرض الدمار الذي لحق بمطعمه (الجزيرة)

شمس الحضارات
في ظل هذه الظروف، أطلق نشطاء ومهتمون حملة #سبسطية_شمس_الحضارات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتسليط الضوء على استمرار انتهاكات الاحتلال التي تعدت التحذير إلى الهدم الفعلي.

ويقول الناطق باسم الحملة زيد الأزهري -الناشط في المجال السياحي- إن الاحتلال يخطط وبالتعاون مع إحدى جامعاته لتنفيذ حفريات تنطلق قريبا في ثلاث مواقع مختلفة، تهدف لتدمير المدينة الأثرية وفرض سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية.

وتهدف الحملة للتأكيد على هوية سبسطية الفلسطينية والتصدي لمحاولات الاحتلال الرامية لحرمان المواطنين من معالمها وتراثها، والدعوة للاهتمام العالمي بها، إضافة لخطوات عملية تهدف ترميم مبانيها القديمة واستقبال الوفود السياحية وتنظيف أبرز المعالم.

ويحاول زيد ومعه أصدقاؤه إثبات فلسطينية قريته الأثرية، لذلك بادروا بزرع العلم الفلسطيني فوق جبالها، فسارع جيش الاحتلال لإزالته مرات عديدة، إلا أن الشبان أعادوا نصبه متحدين الاحتلال. 

ساحة رومانية تعرف بالبازليكا وهي أشبه بنقطة التقاء وسوق كان يجتمع فيه الناس (الجزيرة)

معالم المدينة
وللمدينة الأثرية التي أنشأها الملك هيروديس تاريخ يعود إلى ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، توزع على حقب عديدة أهمها الكنعانية الأصلية والهلنستية (اليونانية) والرومانية، ومعالم جميلة أهمها مقبرة القبة الرومانية وساحة البازليكا (أشبه بالسوق) ومعبد أغسطس (قائد الجيش الروماني) وقصر عمري، إضافة إلى كنيسة الرأس وشارع الأعمدة الذي كان طريق الرومان إلى مدينتهم، والمسجد العثماني وشُيّد بمحاذاة الكاتدرائية الرومانية وسط القرية، إضافة إلى مقام النبي يحيى عليه السلام حيث سجن قبل قتله على أيدي أغسطس، كما تقول الروايات.

وتصنف سبسطية ضمن 14 موقعا فلسطينيا على اللائحة التمهيدية للتراث العالمي في اليونسكو، ويؤكد أمجد سالم من وزارة الخارجية الفلسطينية أن معاناة القرية تتطلب جهدا أكبر من الجهات الرسمية والمحلية للوصول إلى العالمية حماية للمدينة الأثرية.

المصدر : الجزيرة