عبد الله حامد-القاهرة

يقدم الجيش نفسه بوصفه منقذا للمصريين من أزماتهم بداية من الغذاء ومرورا بالأدوية وانتهاء بلبن الأطفال أخيرا، مما يراه مراقبون تدخلا مفتعلا لرفع شعبية المؤسسة العسكرية، في وقت يرى آخرون التدخل ضروريا لسد ما تعجز عنه الحكومة.

فبعدما اختفى فجأة حليب الأطفال الرضع في مصر، وفّر الجيش في يوم وليلة ثلاثين مليون علبة لبن بنصف سعر السوق.

وقد تباينت ردود فعل المصريين تجاه هذا الأمر، وإن استقبلها كثيرون بدهشة عبّر عنها الخبير الدستوري نور فرحات بتساؤلات حول توغل الجيش في أنشطة اقتصادية آخرها توزيع لبن الأطفال، وكيفية توفيره ثلاثين مليون علبة لبن في مدة وجيزة، كما تساءل فرحات عن خلفيات تصريح مساعد وزير الدفاع في مجلس النواب بأن الجيش ينفق على البلد منذ قامت الثورة.

وكان المتحدث العسكري نشر على صفحته الرسمية في فيسبوك السبت الماضي أن "القوات المسلحة وانطلاقا من دورها في خدمة المجتمع المدني، تعاقدت على عبوات الألبان لتبيعها بثلاثين جنيها (3.5 دولارات) بدلا من ستين (سبعة دولارات) كما هو في الصيدليات، وضرب الاحتكار الجشع لدى التجار والشركات العاملة في مجال عبوات الألبان".

وأضاف المتحدث العسكري أنه "لا يوجد لدى القوات المسلحة أي عبوات مخزنة، وأنه سيتم استيراد أول دفعة من الألبان اعتبارا من منتصف الشهر الحالي ليتم استلامها من الموانئ وتوزيعها على الصيدليات".

الروبي: الأزمات تبدو مفتعلة لتبرير تدخل الجيش في الاقتصاد (الجزيرة)

وسيلة إلهاء
غير أن المنشور زاد من الجدل القائم، ورأى مراقبون أن هذا التدخل هو إحدى وسائل الإلهاء العشر التي تحدث عنها نعوم تشومسكي قائلا "اختلق أزمة اقتصادية للقبول بحل ضروري يجعل الناس يغضون الطرف عن حقوقهم الاجتماعية، وتردي الخدمات العامة باعتبار ذلك الحل شرا لا بد منه".

واستحضر نشطاء ما وقع سابقا عندما استغاثت الشركة المصرية لتجارة الأدوية بالرئيس عبد الفتاح السيسي لحل أزمة لبن الأطفال على خلفية تلقيها إشارات بضرورة توقفها عن الاستيراد لأن "جهة سيادية سوف تتولى المهمة".

وقال الناشط شريف الروبي إن تدخل المؤسسة العسكرية لحل كل أزمة تمر بها البلاد بعد أحداث 30 يونيو/تموز 2013 يثير علامات استفهام منها أنه لم يكن يتدخل في حل أزمات مماثلة قبل هذا التاريخ، فلماذا إذن التدخل الآن إذا كانت تلك الأزمات فعلا حقيقية؟

ويعتقد الروبي في حديثه للجزيرة نت أن "تلك الأزمات مفتعلة لكي تسيطر المؤسسة العسكرية وقياداتها على كل مجريات الأمور من السياسة للصحافة للتجارة، وهو أمر مؤلم أن يختلق أزمة ليتدخل الجيش لحلها بهذا الشكل الواضح الفادح، مما يدفع شعبيته بين المواطنين للانهيار بعد تبيان حقائق كثيرة للشعب عن حالة الاقتصاد المنهار في ظل سيطرة الجيش عليه".

ويقول رئيس فريق تحرير تقرير التنمية العربي الصادر عن الأمم المتحدة نادر فرحاني إن "العملية المخابراتية بالغةُ الفظاظة، تكاملت حلقاتها في رفع الدعم الحكومي عن السلعة الحيوية لألبان الأطفال لرفع سعرها، ثم إفراغ السوق بالكامل من المخزون حتى يتسنى لتاجر واحد احتكار السوق، ورفع السعر لأربعة أمثال السعر الابتدائي لتحقيق أرباح هائلة".

الشهابي: الجيش تدخل لحل أزمة ناتجة عن فشل سياسات الحكومة المصرية (الجزيرة)

ويصف فرحاني هذا السلوك بأنه "سلوك تربحي استغلالي واحتكاري مجرم سيدخل تاريخ الجرائم الاقتصادية التي ترتكبها سلطة ضد شعبها، لا سيما الأطفال".

تدخل ضروري
بيد أن رئيس حزب الجيل ناجي الشهابي يرى أن الأزمات ليست مفتعلة لكنها ناتجة عن فشل سياسات الحكومة وافتقارها للرؤية السياسية، وهي "تأكد ضرورة تغيير تلك الحكومة التي أصبحت تفجر أزمات حولت حياة الشعب إلى جحيم".

ويشدد الشهابي في تصريح للجزيرة نت على أن "تدخل الجيش يأتي دائما لإنقاذ الموقف حتى لا يتدهور وتدخل البلاد إلى النفق المظلم"، غير أنه لاحظ في الآونة الأخيرة "ارتفاع وتيرة الانتقادات لتدخلات الجيش من أجل تهدئة الأوضاع الملتهبة بسبب أخطاء الحكومة وهي بالجملة وشبه يومية".

المصدر : الجزيرة