رغم أن موريتانيا تحتل الصدارة عربيا في حرية التعبير، فإن صحافتها تشكو العديد من المشاكل أهمها قطع الدعم الحكومي، وفوضى النشر والارتجالية وغياب التكوين وضعف سوق الدعاية، مما أجبر عشرات الصحف على التوقف عن الصدور ودفع أخرى للاحتجاح عبر الاحتجاب.

أحمد الأمين-نواكشوط

احتجبت 13 صحيفة موريتانية اليوم الأربعاء عن الصدور بغية لفت انتباه السلطات الحكومية والرأي العام الوطني إلى ما أسمتها الوضعية المأساوية للصحافة الورقية، "في ظل تراجع المبيعات وتقلص الاشتراكات وانعدام سوق للإشهار، وعدم وجود مؤسسة للتوزيع".

وبينما صدر عدد من الصحف المحدودة الانتشار، غابت عن الأكشاك اليوم 13 صحيفة يومية وأسبوعية من أهم الصحف وأقدمها وأكثرها انتظاما في الصدور وحضورا في الساحة، في احتجاب احتجاجي جماعي هو الأول في حجمه منذ بدء التعددية الصحفية بالبلاد مطلع تسعينيات القرن المنصرم.

وافتقد باعة الصحف في نواكشوط اليوم الطبعة الفرنسية من صحيفة "القلم" في أول غياب اختياري احتجاجي منذ قرابة عقدين من الزمن، بعدما اشتهرت بأنها الأكثر مصادرة في عهد نظام الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع.

كما تغيبت عن الأكشاك أسبوعية "الأخبار إنفو" الأكثر انتشارا وصحيفة "السفير" (أول يومية مستقلة تصدر باللغة العربية في البلاد)، إضافة إلى "الأمل الجديد"، و"الفجر"، و"نواكشوط إنفو" (أول يومية فرنسية مستقلة في موريتانيا)، وعدد من الصحف اليومية والأسبوعية.

وتأتي الخطوة التصعيدية من "مبادرة ناشري الصحف الورقية في موريتانيا" بعد قرار حكومي صدر مؤخرا بمنع صرف أي مبلغ من البنود المخصصة للاتصال في ميزانيات المؤسسات العمومية والوزارات سواء على شكل اشتراكات أو إعلانات أو تشجيعات.

وقد اعتبر ناشرو الصحف الورقية أن القرار يستهدف خنق الصحافة المستقلة، ويشكل ضربة قاضية لهذه الصحف التي لعبت دورا رياديا في تصدر الصحافة الحرة بموريتانيا، وواجهت تحديات المصادرة والمضايقة، حسب تعبير الناشرين.

ضربة قاضية
ويقول رئيس مبادرة ناشري الصحف الورقية في موريتانيا سي ممادو إن قرار الحكومة بوقف بنود الإشهار والاشتراك غير منطقي ولا يمكن فهمه.

ويضيف ممادو في حديث للجزيرة نت أنه "في الوقت الذي كنا ننتظر معالجة الأوضاع التي تعرفها المهنة من خلال تطبيق مخرجات المنتديات العامة لإصلاح الصحافة، نفاجأ بهذا القرار الذي يشكل ضربة قاضية على ما تبقى من الصحف، وينسف أي أمل في الإصلاح".

جانب من اجتماع تنسيقي لمديري جرائد موريتانية (الجزيرة)

ويرى المدير الناشر لصحيفة الأخبار الهيبة ولد الشيخ سيداتي أن مطالب الصحف الورقية تتلخص أساسا في "تحسين خدمات المطبعة الوطنية، وإنهاء احتكار صحيفتي الشعب وأوريزون الحكوميتين للإعلان والإشهار العمومي، وإنشاء هيئة للتوزيع تضمن وصول الصحف إلى مناطق البلاد".

ويضيف ولد الشيخ في حديث للجزيرة نت أن هنالك مطلبا آخر يتعلق بتفعيل نصوص قانونية تطبق اليوم بشكل مشوه، فالإعلانات الإدارية المتعلقة بالعقار وبعض الأحكام القضائية يلزم القانون بنشرها، لكن السلطات الإدارية والقضائية تكتفي بإلصاقها على بوابات المحاكم أو المباني الإدارية، معتبرة ذلك نشرا".

ويشير إلى أن "المصارف والشركات الناشطة في مجال التعدين ملزمة قانونيا بنشر تقاريرها السنوية لضمان الشفافية، وهو ما لا يحصل، مما يحرم الصحف من موارد تحتاجها لاستمرار الصدور وتقديم الخدمة الإعلامية الأساسية التي تقوم بها".

غياب الشفافية
ورغم أن وزارة الاتصال رفضت التعليق على الموضوع واعتبرت أنها غير معنية به، فإن مصادر حكومية أكدت للجزيرة نت أن وقف صرف بند الإعلام في المؤسسات العمومية جاء بعدما لاحظت الرقابة المالية أن هذا البند الذي يبلغ حوالي ستة مليارات أوقية (الدولار=350 أوقية) سنويا يتم صرفه بشكل غير شفاف.

وأضافت هذه المصادر التي طلبت حجب هويتها أن ما يتم صرفه من هذا البند للصحافة يمثل نسبة ضئيلة من هذا البند، ويذهب إلى أشخاص قلائل، مما دعا إلى إيقاف صرفه إلى أن يتم وضع آليات تضمن تحقيق الأهداف المرجوة منه.

ورغم تصنيف "مراسلون بلا حدود" لموريتانيا في صدارة البلدان العربية في مجال حرية الإعلام، فإن الهيئات المهنية والنقابات والروابط الصحفية تجمع على أن الصحافة تعاني أوضاعا صعبة بفعل غياب التكوين، وسيادة الارتجالية، وكثرة الدخلاء على المهنة.

وتبدو الصحافة الورقية أكثر المتأثرين بهذه الصعوبات، حيث تشير بعض الإحصائيات إلى توقف أكثر من ثلاثين صحيفة منذ العام 2014، فضلا عن عدم انتظام صدور الغالبية الساحقة من الجرائد الحاصلة على التراخيص.

المصدر : الجزيرة