وسط أصوات عشرات القذائف التي تقطع حديثه، يقول أبو تيم "أصحو يوميا باكرا، أودع زوجتي وجنينها، استقل دراجتي النارية بعد أن أصبحت السيارات هدفا للطيران، ألاحق القصف من حي لآخر". أبو تيم مصور يوثق يوميات الأحياء المحاصرة في حلب.

محمد كناص-غازي عنتاب

كان يلتقط أنفاسه بصعوبة والخوف يخنقه عندما بدأت حديثا معه سرعان ما قطعه نداء وصل إليه عبر الجهاز اللاسلكي يفيد بأن مجزرة وقعت في حي الشعار في مدينة حلب جراء قصف للطائرات الروسية، اعتذر بحرارة وحمل كاميرته ورماها على كتفه وخرج مسرعا، كل ما قاله إنه سيلتقي بي عندما يعود.

مساء، عاد أبو تيم (اسم مستعار)، وهو شاب في عقده الثاني، ويعمل مصورا في مركز حلب الإعلامي ضمن الأحياء المحاصرة في حلب، فأخبرته أن لي رغبة في صناعة مادة صحفية عن المصورين الصحفيين الذي باتوا الشهود الوحيدين على عشرات المجازر في أخطر مدينة بالعالم.

أعلمته أني أريد أن أعرف كيف يغطي هجمات الطائرات الروسية بالقنابل المحرمة دوليا على الأطفال والنساء في أحياء حلب المحاصرة، وكذلك كان عندي رغبة لأعرف كيف يبدأ يومه، وكيف ينتهي، وما المشاعر التي تنتابه أمام الدماء والأشلاء وأكوام الركام، فجأة داهمتني عشرات الأسئلة غيرها، فصمت وتركته يتكلم.

وسط أصوات عشرات القذائف التي تقطع حديثه، يقول أبو تيم "أصحو يوميا باكرا، أودع زوجتي وجنينها، استقل دراجتي النارية بعد أن أصبحت السيارات هدفا للطيران، كما أنها توفر كثيرا من الوقود خصوصا في قلب الحصار، ألاحق القصف من حي لآخر".

أبو تيم: الخوف بات يسكننا حتى اعتدنا عليه (الجزيرة)

مشهد مؤثر
يكمل أبو تيم "منذ قليل أنهيت تصوير مجزرة حي الشعار، دُفنت عشرات الجثث تحت الركام، 16 شخصا من عائلة واحدة انهار المبنى عليهم، كان مشهدا مؤثرا للغاية لم أكن أحتمله، كنت أفكر بكل لحظة بابني الذي سيبصر النور بعد أيام كيف سيستطيع تحمل أصوات الانفجارات، وكيف سأؤمن له الحليب في ظل هذا الحصار، أين سيلعب، وأين سيتعلم لو كتب له بقية عمر في هذا الجحيم".

أصوات القصف تتجدد، لكن أبو تيم يضيف ساخرا "مللنا من التعبير عن مشاعر الخوف التي تجتاحنا في كل لحظة، بات الخوف يسكننا حتى اعتدنا عليه وعلى سماع صوت الانفجارات وأخبار القتلى، إننا نأكل متوقعين أن يداهمنا القصف على مائدة الطعام، أو في الشارع، أو في أية لحظة".

يقول أبو تيم "الطيران الروسي وطيران النظام، لا يغادران سماء المدينة، يقصفون بأسلحة لم نعرفها من قبل، إذ يستخدمون القنابل الفسفورية، والقنابل الارتجاجية، إضافة إلى صواريخ شديدة الانفجار".
 
مهنة المتاعب
أبو تيم أحد المصورين القلائل المتبقين في حلب المحاصرة، تبدو تجربته اختصارا لممارسة مهنة المتاعب في أخطر مدن العالم، هو ونظراؤه باتوا يوثقون أخطر الجرائم في العصر الحديث على يد الطيران الروسي والسوري.

يعمل هؤلاء بإمكانيات محدودة، بعضهم انتقل إلى الاحتراف ونالت صوره جوائز عالمية، والآخرون لا تزال صورهم القادمة من حلب تتصدر واجهات الصحف وشاشات التلفزة العالمية.

من القصف الذي تعرض له حي القرطاجي في حلب (ناشطون)

وكانت صورة الطفل عمران دقميش إحدى أشهر الصور التي التقطتها عدسات الناشطين الصحفيين في حلب، وقد تداولتها أكبر وكالات الأنباء والشبكات التلفزيونية في العالم.

مئات القتلى
وبحسب جهات حقوقية وصحفية تابعة للمعارضة السورية، قتل 334 صحفيا في سوريا منذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011، وفي الشهر الماضي فقط قتلت القوات الروسية صحفيين اثنين، وأصابت 11 آخرين بجروح.

وتُعتبر شبكة الجزيرة وسيلة الإعلام العالمية الوحيدة التي لا تزال موجودة على الأرض في سوريا، بفضل ثلاثة مراسلين بالمناطق المحاصرة من قبل النظام، وكانت الشبكة فقدت سبعة صحفيين في سوريا منذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011، كما أصيب خمسة آخرون.

ووفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن العمل الإعلامي في سوريا يسير من سيئ إلى أسوأ، في ظل عدم رعاية واهتمام كثير من المنظمات الإعلامية الدولية لما يحصل في سوريا، وتراجع التغطية الإعلامية بشكل كبير في السنة الأخيرة مقارنة بالسنوات الماضية.

المصدر : الجزيرة