تواجه تونس صعوبات اقتصادية كبرى تعمقت خلال فترة الانتقال السياسي منذ 2011، ودفع تواتر الاحتجاجات الاجتماعية المطالبة بفرص عمل والإضرابات العمالية من أجل تحسين مستوى العيش مفتي البلاد إلى الدعوة للكف عن الاحتجاجات.

سمير ساسي-تونس

لاقت دعوة مفتي تونس عثمان بطيخ التونسيين إلى الكف عن الاعتصامات والاحتجاجات وتحسين مردودهم في العمل بهدف تجاوز الوضع الصعب؛ انتقادات من قبل عدة أطراف سياسية ونقابية.

ودافع بطيخ عن دعواه -في تصريحات لوسائل إعلام محلية- مبينا أن الاحتجاجات العشوائية محرمة شرعا، ويجب الضرب على أيدي المفسدين بتطبيق القانون على كل من يعطل المؤسسات؛ الأمر الذي من شأنه أن يشوه صورة تونس لدى المستثمرين الأجانب، حسب وصفه.

واستنكر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة غير حكومية) في بيان له تدخل دار الإفتاء في مجال يتجاوز اختصاصاتها ويتعلق بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والنضالات المرتبطة بالدفاع عن الحقوق الاجتماعية.

وجاء بلاغ دار الإفتاء، الذي يعد سابقة في تاريخ الإفتاء في تونس، بعد تحذيرات غير صريحة من الحكومة أطلقها وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي على خلفية تعطيل نشاط شركة البترول البريطانية (بتروفاك) في جزيرة قرقنة (جنوب التونسي).

احتجاجات سابقة لعاطلين عن العمل في تونس العاصمة (الجزيرة)

أزمة وتحذير
وذكر الطرابلسي أن الحكومة قد تتخذ إجراءات لحماية الاقتصاد، وأن الكرة الآن في ملعب المعتصمين، وهو تحذير فُهم على أنه تهديد باللجوء إلى استعمال القوة؛ مما حدا بحزب العمال المعارض إلى تحذير الحكومة من مغبة قمع التحركات الاجتماعية.

غير أن مراقبين للشأن السياسي في تونس يرون أن بيان دار الإفتاء يتجاوز ما عُرف بأزمة (بتروفاك)، خاصة أنه جاء بعد توقيع الحكومة اتفاقا مع المحتجين في قرقنة استجاب للمطالب التي رفعوها.

ورأوا أن البيان قد يكون "الإنذار الأخير قبل مرور الحكومة إلى مرحلة "الحزم" في التعامل مع كل التحركات التي قد تثيرها سياسة التقشف وتسريح الموظفين التي قال رئيس الحكومة في خطاب التكليف أمام مجلس النواب في أغسطس/آب المنقضي إنه سيكون مضطرا إلى اعتمادها في السنة الجديد مطلع 2017.

 الطاهري دعا المفتي لتحريم الفساد والتهرب الضريبي (الجزيرة-أرشيف)

جدل مواقف
من جهة أخرى، يدور جدل كبير في تونس بشأن دعوة المفتي بالنظر إلى ما يثيره تدخل المؤسسة الدينية في شؤون السياسة من مواقف متباينة بين النخب الفكرية والسياسية.

ودعا عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل -كبرى النقابات العمالية- سامي الطاهري عبر صفحته في فيسبوك المفتي إلى تحريم الفساد والتهرب الضريبي بدل تحريم الاحتجاجات، مبينا أن هذه المسائل تعالج بالحوار والقانون وليس بالتعليمات والرؤية، حسب قوله.

 الحاج سالم: دعوة المفتي سياسية صرفة (الجزيرة)

موقف سياسي
ورأى الباحث في الدراسات الإسلامية محمد الحاج سالم في تصريح للجزيرة نت أننا إزاء موقف سياسي واضح عبّر عنه موظف حكومي وليس لذلك علاقة بالدين، وهو موقف يثير من الأسئلة الكثير؛ فهو يحمل في طياته تناقضا مع خطاب الحكومة الرسمي الذي يدعو إلى فصل الدين عن السياسة.

ورأى الحاج سالم أن دعوة المفتي "سياسية صرفة" تمت بطلب من الحكومة، وهو ما يثير إشكال التداخل بين القانون والدستور والتشريع.

ويتساءل الباحث: "هل القول بتحريم الاحتجاجات ستترتب عليه تبعات قانونية؟ وهل يمكن للمفتي في هذه الحالة أن يشرع نوع العقاب، وهل توصيف المفتي الاحتجاجات بكونها عشوائية توصيف قانوني أم دستوري أم شرعي حتى يستخدمها في فتوى دينية؟"

وبحسب رأي المتحدث ذاته، فإن كل هذه الإشكالات كان التونسيون في غنى عنها، لأن هناك الكثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحتاج لتبيان موقف الشرع منها، وأمسك المفتي عن الخوض فيها، فلم الخوض في هذا الموضوع تحديدا؟

المصدر : الجزيرة