يشبه النقاش بشأن علاقة السياسي بالدعوي داخل الإسلاميين نقاشا شهدته فرنسا بين المثقفين اليساريين في مرحلة سابقة حول علاقة السياسي بالثقافي، وانتهى إلى صعوبة تحول الأحزاب السياسية لمحاضن للتجديد الفكري لأن منطق العمل السياسي يختلف عن منطق العمل الثقافي.

محمد عيادي-الدوحة

أثار موضوع التمييز بين السياسي والديني أو الدعوي في عمل الحركة الإسلامية المشاركة في العمل السياسي نقاشا ساخنا في جلسات ندوة التحولات في الحركات الإسلامية التي نظمها مركز الجزيرة للدراسات بالدوحة السبت والأحد الماضيين.

وميزت عدد من المداخلات بين التجربة المغربية التي انطلقت منذ 1996 في مسار التمييز بين عمل حزب العدالة والتنمية السياسي وعمل حركته (الأم) التوحيد والإصلاح التربوي والدعوي، وبين التجربة التونسية التي تبنت التمييز قبل شهور بعد مشاركة حركة النهضة في السلطة، وتجربة الإخوان المسلمين حيث جعلت الجماعة الحزب ملحقا بها وواجهة وهي من تتخذ القرارات وتحدد توجهاته.

توجه للعلمنة
وطرح سؤال كبير: هل قررت تلك الحركات الإسلامية التمييز بين السياسي والدعوي قناعة أم تأثرا بضغوط العلمانيين وإكراهات الحكم أو المشاركة فيه؟

وفيما ذهبت بعض الشخصيات الإسلامية من قبيل رئيس مجلس إدارة قناة الحوار الفضائية عزام التميمي إلى أن هذا التوجه سيفضي لتعلمن (من العلمانية) الحركة الإسلامية بفصل المجال السياسي عن المجال الديني وفقدان هويتها رأت أغلب القيادات الإسلامية وعدد من الأكاديميين أن هذا التوجه نتيجة طبيعية لتطور عمل تلك الحركات وتفاعلها مع الواقع.

سيف الدين: التمييز بين الدعوي والسياسي فيه فصل ووصل (الجزيرة)

وقال أستاذ العلوم السياسية سيف الدين عبد الفتاح إن مفهوم العلاقة بين السياسي والديني معقد والخبرات في هذا المجال ليس على شاكلة واحدة ولا يمكن استنساخه.

وأضاف في حديث للجزيرة نت أن التمييز بين السياسي والديني في المفردات والمسالك أمر في غاية الأهمية يبدأ من التمييز بين الدعوي والسياسي، والدعوي والحزبي.

وبشأن ما إذا كان هذا التمييز حصيلة قناعة فكرية تصورية أم نتيجة إكراهات، أوضح مستشار الرئيس المصري المعزول محمد مرسي أنه آن الأوان للتمييز بين المجال الشخصي والمجال الخاص والمجال العام والمجال السياسي، مؤكدا أن التمييز بين العناصر الأربعة المذكورة مهم لأن الخلط بينها يؤدي لمشاكل كبيرة في العمل السياسي، مشددا في الوقت نفسه على أن التمييز آلية مهمة فيها فصل ووصل، وللفصل مساحاته وللوصل ساحاته.

تطور طبيعي
من جهته، اعتبر رئيس حركة مجتمع السلم (حمس) بالجزائر عبد الرزاق مقري أن سيرورة العمل الإسلامي والتحديات والإكراهات وكذلك التجربة أملت خيار التمييز بين العمل السياسي والدعوي، بالإضافة للخبرة والبحوث والدراسات وملاحظات عدد من المفكرين.

وقال للجزيرة نت "نحن في حركة مجتمع السلم اتجهنا لهذا التمييز دون إكراه وكان موضوع بحث طويل قدمناه في مؤتمر الحركة الخامس 2016، ونسير عليه بكل هدوء". وأضاف "هناك حركات أخرى وجدت نفسها أمام إشكاليات سياسية كبيرة، خاصة في ظل الربيع العربي فاتجهت لهذا التمييز تحت هذه الإكراهات".

وبين المتحدث أن كل الحركات الإسلامية ستسير في المحصلة النهائية على هذا المسار بهدف إنجاح العمل السياسي والعمل الدعوي معا، مؤكدا أن التمييز المذكور استجابة لإكراهات الواقع والممارسة السياسيين، وليس لضغوط العلمانيين، وأن الفصل بين السياسي والدعوي فصل وظيفي وليس فكريا ورساليا.

ولم ير رئيس حركة الإصلاح الآن السودانية غازي صلاح الدين أي مشكلة في التمييز بين الدعوي والسياسي، لكن المشكلة تكمن في فصل الديني عن السياسي أي تجريد الأخير من أي قيمة أخلاقية وهو أمر غير مقبول، حسب تعبيره.

غازي صلاح الدين: التمييز بين الدعوي والسياسي تطور طبيعي (الجزيرة)

وقال غازي -الذي تقلد سابقا مناصب وزارية ومواقع مسؤولية متعددة- للجزيرة نت إن "التمييز بين الدعوي والسياسي تطور طبيعي ولا علاقة له بالإكراه إذا أحسنا الظن وإلا سنقول هذا مجرد إجراء ترجيحي وتكتيكي استجابة لضغوط العلمانيين، وهذا شيء طبيعي أيضا لأن كل الناس تتعرض لضغوط وانتقادات في اختياراتها".

وانتقد الحديث عن التمييز المذكور وإقامة هالة حول الموضوع باعتباره نجاحا كبيرا، والحال أن هذه التجربة هي محط اختبار قد تفشل وقد تنجح، موضحا في الوقت نفسه أن التجربة المغربية في التمييز أبانت عن فاعلية وأعطت مردودا إيجابيا.

ضرورة وظيفية
وأكد الأكاديمي التونسي حسن بن حسن أن إجراء التمييز بين الدعوي والسياسي ضرورة وظيفية لتجاوز ما يمكن تسميتها وضعية الهدر الدعوي ورفع مستوى النجاعة والمردودية في العملين السياسي والدعوي معا.

حسن بن حسن: التمييز بين الدعوي والسياسي ضرورة وظيفية (الجزيرة)

وقال حسن بن حسن للجزيرة نت إن فرنسا شهدت في مرحلة سابقة نقاشا داخل صفوف اليسار حول العلاقة بين السياسي والفكري، وهل يمكن للأحزاب السياسية أن تكون محاضن للتجديد الفكري، وانتهى كثير من المثقفين إلى أنه لا مجال للجمع بينهما، فلكل منطقه، فمنطق التجديد الفكري مختلف عن منطق العمل السياسي المرتبط باليومي والتدبير.

وأكد المتحدث أن الأمر نفسه ينطبق على علاقة الدعوي والسياسي فلكل منهما منطقه، والتمييز بينهما اختيار فكري بالأساس لتفادي هيمنة السياسي على الدعوي.

المصدر : الجزيرة