محمد محسن وتد-حيفا

في الوقت الذي تعطلت مفاوضات السلام بين الدول العربية وإسرائيل تستبق تل أبيب الأحداث بوضع تصور لمستقبل العلاقات مع دول الجوار والإقليم من خلال رؤيا سمتها "السلام الاقتصادي".

وتتجهز إسرائيل إلى ما بعد إنهاء حالة التوتر وحسم الصراعات التي تدور رحاها ببعض الأقطار العربية عبر تطوير مشاريع البنى التحتية والطرقات السريعة والموانئ البحرية والبرية في فلسطين التاريخية، لتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية الإقليمية.

ولعل أبرز هذه المشاريع إعادة بناء وتوسيع خط سكة حديد الحجاز الذي دشنته الدولة العثمانية قبل أكثر من مئة عام واستخدم لنقل البضائع من موانئ الشام وأسواق سوريا وفلسطين إلى السعودية والخليج العربي.

التبادل التجاري بين إسرائيل والأردن الذي يتعلق بشحن البضائع عبر ميناء حيفا ارتفع بنسبة 65% بسبب الحرب في سوريا (الجزيرة)

وستدشن وزارة المواصلات الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول المقبل مشروع خط القطار الذي سيربط حيفا بمنطقة بيسان المتاخمة للحدود مع الأردن، وبذلك يتم إحياء وتدشين أول مقطع من مسار سكة الحجاز، فيما تواصل تل أبيب تطوير واستحداث خطوط الشبكة باتجاه الحدود مع لبنان وسوريا بتكلفة تصل إلى خمسة مليارات دولار.

الهيمنة الإسرائيلية
وتمتد سكة القطار -التي كلفت نحو مليار دولار- على طول ستين كيلومترا لتنطلق من خليج حيفا وتسافر لتتوقف في ست محطات آخرها في بيسان على بعد خمسة كيلومترات من الحدود الأردنية، حيث أودعت تل أبيب للمصادقة مشروعا إضافيا لمد شبكة القطار الإسرائيلي حتى معبر الكرامة الحدودي بين الضفة الغربية والأردن.

واستعرض المحاضر في معهد العلوم التطبيقية "التخنيون" بحيفا المهندس يوسف جبارين مشاريع البنى التحتية التي تحركها إسرائيل بفلسطين التاريخية منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو في سبتمبر/أيلول 1993، مبينا أنها تهدف إلى فرض الهيمنة الإسرائيلية التجارية والاقتصادية على الشرق الأوسط الجديد.

إسرائيل تتطلع لتحويل ميناء حيفا إلى أكبر ميناء بالشرق الأوسط وليكون حلقة وصل تجارية بين آسيا والدول العربية وأوروبا (الجزيرة)

وشدد جبارين في حديثه للجزيرة نت على أن إسرائيل ترى في سكة الحجاز "شبكة لقطارات السلام" مع الدول العربية، وتأتي في سياق التخطيط السياسي الإسرائيلي، وأهم أهدافها تدعيم العلاقة "الجيوسياسية" مع دول المحيط العربي وتوظفها في هذه المرحلة لفرض أجندتها السياسية الإقليمية وتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية.

وأوضح أن تل أبيب تواصل أعمال تشييد ميناء بري للشحن بالقرب من محطة بيسان المتاخمة للحدود الأردنية، حيث سيخدم قطارات الشحن والبضائع والتبادل التجاري بين الدول العربية وشرق آسيا وأوروبا عبر ميناء حيفا الذي يشهد توسعة ومشاريع تطوير ليتحول مستقبلا إلى أكبر ميناء في الشرق الأوسط.

الرؤية الإستراتيجية
وبحسب هيئة الموانئ والمطارات الإسرائيلية، فمنذ العام 2011 تضاعفت الحركة التجارية عبر ميناء حيفا بسبب الحرب الدائرة بسوريا، حيث امتنعت شركات النقل الدولية عن استعمال الموانئ السورية والطرقات البرية لشحن البضائع للدول العربية وآسيا وأوروبا. في المقابل، سجل ارتفاع بنسبة 65% بالتداول التجاري وشحن البضائع بين إسرائيل والأردن عبر معبر الشيخ حسين. 

إسرائيل شرعت منذ توقيع اتفاق أوسلو في توسيع وتطوير البنى التحتية وشبكة القطارات بفلسطين التاريخية (الجزيرة)

ويعتقد الباحث في الاقتصاد السياسي أمطانس شحادة أن إسرائيل تهدف من خلال إعادة تطوير سكة الحجاز لتعزيز التبادل التجاري مع الدول العربية وتدعيم العلاقات الاقتصادية في ظل الصراعات الإقليمية واستبعاد إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وحل الدولتين بموجب القرارات الدولية.

ويجزم شحادة في حديثه للجزيرة نت بأن تل أبيب -التي تستغل الظروف الإقليمية لتصفية القضية الفلسطينية- تخطط لتحديد علاقاتها المستقبلية مع الدول العربية عبر "السلام الاقتصادي" بمعزل عن الملف الفلسطيني، ويأتي مشروع سكة الحجاز تحفيزا للديباجة الإسرائيلية التي تتطلع لتكون حلقة وصل اقتصادية وتجارية للشرق الأوسط لتربط آسيا بأوروبا، خاصة عقب تفكيك سوريا.

ولفت إلى أن هذه المخططات الاقتصادية الإقليمية ليست وليدة الصدفة بل تنسجم مع الرؤية الإستراتيجية لتل أبيب سعيا لتعزيز نفوذها السياسي والدبلوماسي في ظل حالة الفوضى وعدم الاستقرار ببعض الدول العربية، وذلك بغية فرض السيطرة والهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط.

المصدر : الجزيرة