سعت ندوة مركز الجزيرة للدراسات لتقديم فهم متوازن وعميق للتحولات التي عرفتها الحركات الإسلامية في العالم العربي في ظل التحديات التي طرحها الربيع العربي عليها. ومن تلك التحديات القيام بمراجعات ونقاشات لتطوير مسألة التمييز بين الحقل السياسي والدعوي.

محمد عيادي-الدوحة
 
أجمع المشاركون في جلسات اليوم الأول من ندوة "التحولات في الحركات الإسلامية" على أهمية الاجتهاد والتجديد داخل الحركات الإسلامية السياسية للتفاعل الإيجابي والواعي مع تحديات ما بعد الربيع العربي.

وأكد المتحدثون في الجلسة الأولى من الندوة التي ينظمها مركز الجزيرة للدراسات في الدوحة، على عدم التعامل مع الحركات الإسلامية وتعاطيها مع الشأن السياسي ككتلة واحدة، وضرورة استحضار اختلاف السياقات المحلية وتأثير العامل الدولي والإقليمي على طبيعة خيارات هذه الحركات.

وقال رئيس حركة الإصلاح الآن السودانية غازي صلاح الدين العتباني إن القهر السياسي والتقسيم الطائفي كان من أهم السياقات التي ساهمت في تشكيل بعض الحركات الإسلامية كما هي الحال في العراق ولبنان وسوريا، بينما نشأت حركات أخرى في جو يطبعه نوع من التعايش كما هي الحال في المغرب والأردن.

ودعا الوزير السوداني السابق للانتباه للتأثير المتبادل بين السلطة والإسلاميين، وما يطرحه المشروع الغربي من تحديات على الحركات الإسلامية من حيث قيم الحرية والحكم الرشيد وبناء الدولة الحديثة، مشيرا إلى أن تلك الحركات تمر حاليا بفترة اختبار وهي فرصة غير مسبوقة للتعلم من تجاربها.

من جهته، أوضح رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية بموريتانيا محمد جميل ولد منصور أن اشتراك الحركات الإسلامية في الفكرة والمرجعية الإسلامية لا يعني بالضرورة الارتباط التنظيمي بينها. 

video


 

وقال ولد منصور إن طبيعة التوجه السياسي للحركات الإسلامية يغذي الاهتمام بالجانب المحلي والواقعي، وإن السياسة تروض الأيديولوجيات وتبرز الخصوصيات، منوها إلى أن التعامل مع الربيع العربي طرح مشكلتين، الأولى الفشل في صناعة الكتلة المتنوعة، والثانية أن مقتضيات العمل الثوري لا تنسجم مع كوابح المنهج الإصلاحي، مما أدى لارتباك عدد من الحركات الإسلامية.

ودعا الإسلاميين للقيام بمراجعات والمزيد من النقاش والتطوير لمسألة التمييز بين الحقل السياسي والحقل الديني والدعوي.

التنوع والتعايش
وفي السياق، سلط عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية المغربي عبد العالي حامي الدين الضوء على التجربة المغربية، مبينا أن الحركة الإسلامية في المغرب تفاعلت مع السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي للبلد، وكذلك مناخ التنوع والتعايش ونظام التعددية السياسية، مما طبعها بالاعتدال والمرونة.

وذكر حامي الدين أن المؤسسة الملكية تعاملت مع مطالب الحراك الشبابي بعد الربيع العربي بالحوار وأجرت إصلاحات، في وقت تبنى الحزب مقاربة الإصلاح في إطار الاستقرار، مشيرا إلى أن العدالة والتنمية كان قد ميز قبل ذلك بسنوات بين العمل السياسي الذي يقوم به والعمل الدعوي والتربوي الذي تمارسه الحركة الأم، حركة الإصلاح والتوحيد.

ومن ليبيا تطرق عضو المجلس الأعلى للدولة نزار كعوان للسياقات المرتبطة باختلاف خيارات الحركات الإسلامية، وأبرزها المرجعية والأفكار الموجهة والجانب التاريخي، حيث تبرز الاختلافات بين بلد وآخر، بالإضافة إلى المعطى الاقتصادي والاجتماعي والجانب التنظيمي.

الددو: الحركة الإسلامية يجب أن تحافظ على السلم الاجتماعي مع باقي المكونات (الجزيرة نت)

وقد ركزت الجلسة الثانية من الندوة على التحولات الفكرية والتنظيمية في الساحة الإسلامية بعد ثورات الربيع العربي، وأكد رئيس مركز تكوين العلماء بموريتانيا محمد حسن ولد الددو في مستهل تلك الجلسة أن الحراك العربي جعل المكونات الفكرية والسياسية في العالم العربي تدرك أن الحركة الإسلامية مكون رئيسي في المجتمع ولا يمكن إقصاؤه، وأن الحركة يجب أن تحافظ على السلم الاجتماعي مع باقي المكونات.

مفهوم الدولة
وقال ولد الددو إن الربيع العربي جعل عددا من الحركات الإسلامية تخرج من حالة السرية إلى العمل العلني، كما جعل أغلب تلك الحركات تهتم أكثر بالتفكير في مفهوم الدولة ومقوماتها.

وبينما اتفق ولد الددو مع توجه التمييز بين الدعوي والسياسي وأن الكفاءات والمؤهلات المطلوبة للسياسي تختلف عن الداعية، أكد على الحاجة لضرورة الحفاظ على التشاور والتنسيق بين الجانبين حتى لا تضيع البوصلة الجامعة بينهما.

من جانبه، تطرق الباحث بمركز البحوث والدراسات الاقتصادية والاجتماعية بتونس سامي إبراهيم للتحديات المطروحة على الحركات الإسلامية، وأبرزها في الجانب التنظيمي الفصل بين الديني والسياسي، وفي الجانب المعرفي إنتاج مشروع سياسي حديث بمرجعية وطنية وليس أيديولوجية، حسب تعبيره، وطرح مقاربة جديدة في المسألة الاجتماعية وكذلك في علاقة المحلي بالدولي.

وقد أشار مدير مركز الجزيرة للدراسات صلاح الدين الزين في افتتاح ندوة "التحولات في الحركات الإسلامية" التي تستمر حتى الأحد، إلى أن ثورات الربيع العربي غيرت موازين القوى في العالم العربي حيث تحولت الحركات الإسلامية لفاعل سياسي مؤثر.

وقال إن الندوة تسعى بالأساس وبشكل متوازن إلى تعميق فهم التحولات التي عرفتها تلك الحركات والتحديات التي طرحها الربيع العربي عليها.

المصدر : الجزيرة