في ظل سياسة الطفل الواحد، ظهرت فجوة كبيرة بالصين بين الإناث والذكور، وأصبح المجتمع ذكوريا، لذلك ليس من السهل على الكثير من الشباب المنهمكين في الدراسة والعمل أن يجدوا شريكة حياتهم، فيفوتهم قطار العمر دون أن يتمكنوا من الزواج.

علي أبو مريحيل-بكين

في صباح كل يوم أحد تخرج تيانغ شي مبكرا من منزلها في أحد أحياء بكين، حاملة صورة ابنها الوحيد "وو" البالغ من العمر 28 عاما، وصورة أخرى لبطاقته الشخصية، وبعض المستندات التي توضح حالته الصحية والعقلية والاجتماعية، ليس من أجل البحث عن ابن مفقود، أو شاب ضال تخلى عنها، بل للبحث عن شريكة حياة له في أسواق الزواج الخاصة.

في عدد من الحدائق العامة بالصين يجتمع المئات من الرجال والنساء حاملين لافتات وصورا لشبان في مشهد أشبه بالحملات الانتخابية، ولكن في حقيقة الأمر فإن هؤلاء يبحثون عن زوجات لأبنائهم.

ففي ظل سياسة الطفل الواحد التي استمرت لثلاثة عقود، ظهرت فجوة كبيرة في الصين بين الإناث والذكور، وأصبح المجتمع الصيني ذكوريا، لذلك ليس من السهل على الكثير من الشباب المنهمكين في الدراسة والعمل، أن يجدوا شريكة حياتهم، فيفوتهم قطار العمر دون أن يتزوجوا، وهو الأمر الذي دفع أولياء أمورهم إلى الخروج والتجمع في ميادين وساحات عامة، للإعلان رغبتهم في تزويج أبنائهم.

مسنة صينية تكتب مواصفات ابنها على ورقة قبل عرضها على المارة (الجزيرة)

هاجس الزواج
وتعرب تيانغ عن خشيتها من أن يسرق العمل ابنها الوحيد دون أن يتزوج وينجب طفلا يحافظ على نسل العائلة ويحمل إرثها.

تقول للجزيرة نت "كنت ألح على ابني في كل إجازة أن يقترن بفتاة، وكنت أنتظر الأخبار السارة في كل مرة يهاتفني فيها، ولكن حين بلغ الخامسة العشرين بدأت أشعر بالقلق، لذلك أخذت على عاتقي هذه المهمة وقررت البحث له عن زوجة".

وبسؤالها إن كان ابنها موافقا على هذه الخطوة، قالت: هو يعلم أنها الطريقة الوحيدة الآن مع قلة الخيارات الأخرى المتاحة، وانحسار عدد الإناث مقابل عدد الذكور.

أما شياو سونغ، وهو شاب عشريني من مدينة شانتو، فقال إنه سئم من إلحاح عائلته وحثهم الدائم له، في كل عطلة يزورهم فيها على إيجاد شريكة لحياته، لذلك اضطر في إجازاته الأخيرة إلى استئجار فتاة لتمثيل دور "الخطيبة" مقابل أجر مادي بلغ 300 دولار في اليوم الواحد.

وتابع شياو في حديثه للجزيرة نت "في المرة الأخيرة اكتشفت أمي الأمر وأخبرت والدي، وهذا ما دفعه إلى البحث بمفرده عن زوجة لي في أسواق الزواج المتعارف عليها بالمقاطعة".

قد يضطر الشاب الصيني إلى استئجار فتاة تمثل دور الخطيبة للهروب من إلحاح أهله بالزواج (الجزيرة)

أزمة عنوسة
ووفقا للأرقام الصادرة عن وزارة الشؤون المدنية، بلغت نسبة العنوسة بالصين حتى منتصف العام الجاري 75%، كما بلغ معدل الذكور بالنسبة للإناث ستة ذكور مقابل أنثى واحدة.

وأظهرت دراسة أجراها مركز جينان للأبحاث أن 65% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين (22 و35) يرغبون بالزواج، لكنهم يجدون صعوبة في العثور على زوجة، و47% منهم تركوا هذه المهمة لأولياء أمورهم، في حين فضل 32% من الشباب المصادقة على الزواج.

ويحذر مراقبون من ظاهرة العنوسة في الصين واتساع الفجوة بين الذكور والإناث، مؤكدين أن ذلك من شأنه أن يخلق جيلا ذكوريا خالصا في العشرين عاما القادمة ما لم يتم تدارك الأزمة والعمل على حلها، في حين قلل آخرون من خطورة هذه الظاهرة على اعتبار أن الحكومة تجاوزت سياسة الطفل الواحد وسمحت بإنجاب طفل آخر.

وكانت سياسة الطفل الواحد التي اتبعتها الصين في العقود الثلاثة الماضية قد فاقمت من ظاهرة إجهاض الإناث في المجتمع الصيني، وهو ما أدى إلى خلق مجتمع ذكوري كان وما زال شاهدا على العديد من الآفات والأمراض الاجتماعية كالعنف الأسري، والاغتصاب، والفتور العاطفي، والوحدة، والعزلة، والعزوف اللاإرادي عن الزواج، وحالات الاكتئاب الشديد التي انتهى الكثير منها بالإقدام على الانتحار.

المصدر : الجزيرة