"الثابت أن الأفعى عادت وأنها الآن دون قناع"، كلمات للرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي أدلى بها عقب ضغوط على قناة تلفزيونية محلية لمنع بث حوار له، توحي بأن ممارسات النظام السابق عادت للواجهة وتثير مخاوف من تكبيل الإعلام وتقييده.

إيمان مهذب

تعود "حرية التعبير والإعلام" من جديد إلى واجهة النقاش في تونس لتتصدّر المشهد، وتشعل مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تصريحات للرئيس التونسي السابق ورئيس حزب "حراك تونس الإرادة" منصف المرزوقي اتهم فيها السلطات الحالية بمنع بثّ حوار له على قناة "التاسعة" التلفزيونية الخاصة.

فبعد أكثر من خمس سنوات على الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، يجد التونسيون أنفسهم في مواجهة ممارسات تذكّرهم بالسلطات القمعية وأمام تحدّيات جمّة قد تعود بهم إلى نقطة الصفر.

المرزوقي الذي اعتبر إبان تسلمه السلطة أن "حرية التعبير هي ضمانة الديمقراطية"، وأنها لن تكون "محّل بيع أو شراء في الدستور"، بدا اليوم غير متيقّن من وجود ضمانات لذلك، فهذه الحريات باتت "مستهدفة".

"منع بسبب ضغوط سياسية"، هذا ما أعلنه المرزوقي عقب منع بث حواره، وأضاف في تدوينة له نشرها مساء الأربعاء على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك "سجلت الحصة السبت الفارط في أحسن الظروف ولمدة ساعة ونصف الساعة. ثم انتظرت البثّ... بدأت تصلني أخبار عن ضغوطات متعددة المصادر لعدم بثّ الحلقة".

وتابع "لم أصدق أن بوسعهم منع رئيس جمهورية سابق من إبداء رأيه في مشاكل بلد محكوم نظريا بنظام ديمقراطي أتت به ثورة سلمية أطاحت باستبداد تميّز بقمعه الشديد لحرية الرأي ومنها حريتي الشخصية".

المرزوقي خلال المؤتمر التأسيسي لحزب تونس الإرادة 25 ديسمبر/كانون الأول 2015 (الفرنسية)

استهداف الإعلام
من جانبه، قال الأمين العام لـ"حراك تونس الإرادة" عدنان منصر في صفحته على موقع فيسبوك إن "قرطاج (الرئاسة) والقصبة (رئاسة الحكومة) ضغطا بكل قواهما وبكل أساليب الاستبداد البغيض حتى لا يظهر الدكتور (المرزوقي) في الإعلام. يستهدفون حرية الإعلام ليخفوا عجزهم".

الضغوط ذاتها تحدّثت عنها قناة "التاسعة"، التي قالت إن مسؤوليْن في رئاسة الحكومة والجمهورية مارسا ضغوطا عليها من أجل عدم بث الحوار، داعية في بيان لها -نشرته صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك- المؤسستين إلى "توضيح مدى علمهما بهذه الضغوط التي مارسها بعض من تكلم باسمهما".

كما دعت القناة "بعض الأطراف السياسية إلى عدم إقحامها في صراعاتها"، مؤكدة وقوفها على نفس المسافة من جميع الأحزاب، وأن الحوار سيتم بثه كاملا كما كان مبرمجا في إطار حق القناة في اختيار الوقت المناسب لبث الحوارات.

تونسية تحمل بطاقتها الصحفية خلال وقفة احتجاجية 3 مارس/آذار 2014 (الأوروبية)

ضغوط وصدمة
هذه الضغوط ولّدت حالة من الصدمة، عّبر عنها المذيع مكي هلال الذي أجرى الحوار مع المرزوقي بقوله في تدوينة على موقع فيسبوك "في غاية الإحباط! ليست هذه تونس الجديدة التي حلمت بها وعدت من أجلها".

في حين قالت نقابة الصحفيين التونسيين في بيان لها إنها تستنكر بشدة "كل تعد على حرية الصحافة"، معربة عن استغرابها "صمت رئاسة الجمهورية وعدم إصدارها أي توضيح لما حدث".

وأكدت النقابة "عدم سماحها تحت أي ظرف بعودة منظومة الاستبداد التي قامت على تدجين الإعلام وتطويعه والتدخل في مضامينه"، معلنة عن "تجنيد كل طاقاتها دفاعا عن حرية الصحافة واستقلالية وسائل الإعلام".

كما عبرا حزبا الجمهوري والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات عن استنكارهما لكل تعدّ على حرية الإعلام والتعبير، وحذرا من كل انتكاسة من شأنها العودة بالإعلام إلى مربع التوجيه والتدجين، وفقا لما نقلته وسائل إعلام تونسية.

مصورون صحفيون تونسيون خلال وقفة احتجاجية 3 مارس/آذار 2014 (الأوروبية)

تحد ومعركة
في المقابل نفى نور الدين بن تيشة المستشار السياسي للرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في تعليقات أدلى بها لراديو موزاييك المحلي، تعّرض القناة لأي ضغوط، وتحدّى أي صحفي أو منتج من القناة أن يثبت أن الرئاسة ضغطت لمنع الحوار.

لكن هذه الرواية لم تقنع عددا من ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي الذين كتبوا تحت وسوم (هاشتاغات) "ما_نرجعوش_وين_كنا"، (لن نعود إلى الوراء) و"سيّب_ الإعلام" (أطلقوا الإعلام) و "ما فهموتوناش" (لم تفهمونا)، أن من يقوم بهذه التصرفات يريد "إرجاع عجلة التاريخ إلى الوراء"، معتبرين أن حرية الإعلام والتعبير مكسب لن يتراجعوا عنه.

ورأى عدد منهم أن هذه المعركة ليست من أجل المرزوقي، بل من أجل الحرية والمبادئ التي قامت عليها الثورة ومن أجل الوطن.

معركة يقول المرزوقي إنها خيارهم الأوحد من أجل الدفاع عن "ديمقراطية يريدونها على قدر مصالحهم ونريدها على قدر مبادئنا".

المصدر : الجزيرة