دقت الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان ناقوس الخطر مع تنامي ظاهرة الانتحار بالجزائر. وأشارت المنظمة إلى أنه يسجل بالجزائر سنويا عشرة آلاف محاولة انتحار ونحو 1100 حالة انتحار. وكشفت المنظمة أن الانتحار يكون غالبا وسيلة للاحتجاج على ظروف اجتماعية قاسية.

 ياسين بودهان-الجزائر

رغم أن محمدا (30 عاما) ينحدر من أسرة متدينة، ووالده يشتغل معلما بإحدى المدارس وكثيرا ما يقدم دروسا دينية في المساجد، فإن البطالة دفعته إلى محاولة الانتحار بعد أن سُدت في وجهه كل الأبواب.

ورغم أن القدر كتب له النجاة بعد أن قضى أشهرا في مصلحة الرعاية المركزة بمستشفى بولاية سطيف (400 كلم شرق العاصمة الجزائر)، فإن آثار محاولة الانتحار لا تزال بادية على وجهه وتؤثر على نفسيته.

وعن الأسباب التي دفعت به لارتكاب هذا الفعل، يقول إنه كان يحلم مثل غيره من الشباب في تكوين أسرة والحصول على عمل ثابت، إلا أن كل محاولاته باءت بالفشل، ومنذ تركه مقاعد الدراسة وهو في رحلة بحث عن عمل يكون بوابة لتحقيق أحلامه.

ومما زاد الأمور سوءا بالنسبة لمحمد أن أسرته ومجتمعه دائما ينعتونه بالفاشل، ويضيف أنه مع تراكم المشاكل وشعوره بأنه "مجرد عالة على المجتمع" قرر أن يضع حدا لحياته التي وصفها بـ"التعيسة" من خلال شرب حمض الأسيد.

أغلب المنتحرين في الجزائر من الشباب والمراهقين، حيث إن 53% منهم عاطلون، و18% يزاولون مهنا حرة، و12% يزاولون أعمالا هشة، و11% موظفون، و6% طلبة
محاولات جماعية
حالة محمد ليست الوحيدة، فظروف البطالة دفعت بالعديد من الشباب الجزائري إلى الانتحار أو محاولة الانتحار، بل هناك محاولات تهديد جماعية، أشهرها قيام خمسة من العاطلين بولاية ورقلة (820 كلم جنوب العاصمة الجزائر) بالتهديد بالانتحار جماعيا في 2014 بإضرام النار في أجسادهم أمام مقر الولاية تنديدا بغياب فرص العمل، كما قام ثلاثة شبان من ولاية عنابة (600 كلم شرق العاصمة) في فبراير/شباط الماضي بالتهديد بالانتحار أمام مقر الولاية أيضا للأسباب ذاتها.

هذه الحالات وغيرها، دفعت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان (منظمة غير حكومية) إلى نشر تقرير عشية احتفال العالم باليوم العالمي لمنع الانتحار المصادف للعاشر من سبتمبر/أيلول من كل عام، عبّرت فيه عن قلقها من تنامي حالات الانتحار بالجزائر.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 800 ألف شخص يقضون كل عام منتحرين، مما يعني أن حالة انتحار تقع كل 40 ثانية، فإن الجزائر تسجل -حسب المنظمة الحقوقية- نحو عشرة آلاف محاولة انتحار فاشلة سنويا وأزيد من 1100 حالة انتحار مؤكدة.

ويشير التقرير إلى أن أغلب المنتحرين من الشباب والمراهقين، وأن 53% منهم عاطلون عن العمل، و18% يزاولون مهنا حرة، و12% يزاولون أعمالا هشة، و11% موظفون، و6% طلبة مدارس وجامعات.

قسنطيني: لا توجد إحصاءات رسمية عن ظاهرة الانتحار في الجزائر (الجزيرة نت)

وسيلة احتجاج
ويؤكد المكلف بالملفات المختصة على مستوى الرابطة الحقوقية الذي أنجز التقرير، أن الانتحار أضحى مشكلة خطيرة تهدد الصحة العمومية في الجزائر، وبيّن أن أسباب الظاهرة متعددة، ولخصها في حديثه للجزيرة نت في الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، إلى جانب المشاكل النفسية، وفشل العلاقات العاطفية، والإحساس بعدم الأمان، والبطالة، والإحساس بالتهميش، وشعور الفرد بانعدام القيمة وغياب أي دور له داخل المجتمع.

وفي الوقت الذي أكد فيه أن بعض محاولات الانتحار تكون مجرد وسيلة احتجاج عن طريق تقطيع الأجسام بوسائل حادة، للاحتجاج على موضوع معين، أو رغبة في إثبات الذات، فإنه دعا السلطات الوصية إلى ضرورة التحرك العاجل لاحتواء الوضع من خلال مواجهة الاختلالات التي يعيشها المجتمع الجزائري، الذي يعاني برأيه من حالة تفكك.

والدليل على ما سبق يقول "تنامي واستفحال ظاهرة الانتحار خاصة في أوساط الشباب الذين يلجؤون لعدة وسائل للانتحار، إما عبر قوارب الموت، وإما بدلو بنزين يسكب عليه من فوق مقر بلدية أو ولاية، وإما بتناول الأقراص الطبية وإما باستعمال الأسلحة والشنق وغيرها".

وفي الوقت الذي تساءل فيه رئيس اللجنة الاستشارية لترقية وتطوير حقوق الإنسان بالجزائر (والتابعة للرئاسة) فاروق قسنطيني عن المصادر التي اعتمدها معدو التقرير، فإنه أكد للجزيرة نت أنه لا يمكنه التشكيك أو تأكيد الأرقام التي أوردها التقرير في ظل عدم وجود إحصاءات رسمية عن الظاهرة، وهو ما رأى فيه سببا لعدم تقديم أية تعليقات أو رد على المعلومات التي أوردها التقرير.

المصدر : الجزيرة