دعاء عبد اللطيف-القاهرة

بين الأمل واليأس، تتنوع أسئلة ذوي المختفين قسريا في مصر كل يوم دون إجابة من النظام الذي ينفي وجود حالات اختفاء من الأساس. ومع طول الأزمة، يتفاقم الألم وتتزايد لهفة الناس على أحبابهم متساءلين: هل مازال حيا؟ أيكون في أقصى شمال البلاد أم جنوبها؟ هل دفنوا جثته أما تركوها لعراء الوطن؟ هل مات من التعذيب أم من الحزن؟ هل سيمر العيد بدونه كحال العام الماضي أم سيمنحونه فرصة أخرى للحياة؟

وبهدف الحصول على إجابة لتلك الأسئلة، تظاهر العشرات من ذوي المختفين قسريا أمام مبنى البرلمان وسط القاهرة السبت الماضي بالتزامن مع "اليوم العالمي لمناهضة الاختفاء القسري" بعد فشلهم في تقديم شكوى جماعية إلى النائب العام منتصف الأسبوع الماضي.

ومنعت قوات الأمن الأهالي من مقابلة برلمانيين لتقديم شكوى جماعية بشأن اختفاء أبنائهم، واحتجزت عددا منهم بينهم نساء وأطفال لمدة ساعتين قبل أن يطلقوا سراحهم.

وقفة احتجاجية أمام نقابة الصحفيين تندد بالاختفاء القسري (الجزيرة)

إبراهيم متولي المتحدث باسم "رابطة المختفين قسريا" اختفى ابنه عمرو الطالب بالسنة النهائية بكلية الهندسة صباح يوم 8 يوليو/تموز 2013، حيث كان موجودا بشارع الطيران بشكل عارض وقت مذبحة أحداث الحرس الجمهوري. وبعد البحث تبين أنه محتجز في سجن وادي النطرون جنوب غرب البلاد وتم نقله إلى سجن العازولي شرقي البلاد، وفق رواية أشخاص أفرج عنهم.

يقول متولي إن نجله لم يُعرض على النيابة ولا يعرف التهم الموجهة إليه حتى الآن، وإنه لم يقابله طيلة الثلاث سنوات الماضية، وما يعرفه عنه يحصل عليه عبر وسطاء. ويضيف "الأسرة تعيش تحت ضغط عصبي شديد بسبب المصير المجهول لعمرو".

وذكر تقرير لـ"التنسيقية المصرية للحقوق والحريات" أن 2811 شخصا تعرضوا للاختفاء القسري من قبل الأجهزة الأمنية خلال الفترة من يوليو/تموز 2013 وحتى يونيو/حزيران 2016، بينها 1001 حالة اختفاء خلال النصف الأول من العام الجاري، بمعدل خمس حالات يوميا. كما أفاد تقرير صادر عن المفوضية المصرية للحقوق والحريات باختفاء 912 قسريا بين أغسطس/آب 2015 و2016 بمعدل ثلاث حالات يوميا.

أما إحصاءات المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي تعين الحكومة أعضاءه، فرصد 266 حالة بين أبريل/نيسان 2015 ونهاية مارس/آذار 2016، دون إدانة أو دعوة للمحاسبة.

وفي تقرير لها، قالت منظمة العفو الدولية (أمنستي) إن قطاع الأمن الوطني في مصر يعذب الناس ويخضعهم للاختفاء القسري لترهيب المعارضين، موضحة أن موجة اختفاء الأشخاص شملت مئات الطلاب والنشطاء والمتظاهرين من بينهم أطفال. 

المستشار أحمد سليمان: السلطات تتجاهل الدستور والقانون دون حياء (الجزيرة)


ولا تعترف الجهات الأمنية بأي حالات اختفاء قسري، ورجح الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حوار متلفز أن يكون المختفون انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية قائلا "كل الإجراءات تتم بشكل قانوني" وأضاف أن هناك أناسا هربوا من مصر وانضموا لداعش (تنظيم الدولة) في سوريا.

أما مدير التنسيقية المصرية للحقوق والحريات عزت غنيم، فيقول إن الجهات الأمنية تلجأ لإخفاء المعارضين قسريا بغرض "تهديد وتعذيب المحتجز للحصول على معلومات بعيدا عن الجهات الرقابية. ويُعذب المحتجزون بشدة ويُمنع عرضهم على النيابة أو إيصالهم بذويهم حتى لا تكتشف جريمة التعذيب بينما "تتم تصفية آخرين".

وأوضح غنيم أن إخفاء متهم في قضية ما "يعطي الجهات الأمنية فرصة إبعاده عن بقية المتهمين الذين لم يتم القبض عليهم، فالإخفاء القسري وسيلة يستخدمها النظام لإرهاب معارضي حكمه".

ويؤكد وزير العدل الأسبق المستشار أحمد سليمان أن الدستور المصري يحظر القبض على مواطن أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته إلا بأمر قضائي مسبب عدا حالات التلبس بالجريمة، مضيفا "القانون يكفل للمواطن إبلاغه فور القبض عليه بأسباب ذلك مع تمكينه بالاتصال بذويه وبمحاميه فورا وعرضه أمام سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت القبض عليه".

لكن هذه النصوص القانونية الحاسمة -والكلام للمستشار- "لا تُفعّل" مؤكدا أن الإخفاء القسري "جريمة يرتكبها النظام دون احترام للدستور، كما تمسح السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالقانون والدستور الأرض دون حياء".
 

المصدر : الجزيرة