أحمد فياض-غزة

لا يمل حسن وشقيقاه نضال ومحمد من دفع عرباتهم الصغيرة بين أزقة السوق القريب من مكان سكناهم في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، بحثا عمن يحملون عنه حاجاته نظير أجر زهيد يجمعونه لتجنيب أسرتهم مرارة الفقر والعوز.

وسطر الأطفال الثلاثة بإصرارهم على العمل والتفوق في دراستهم بكل ما أوتوا من قوة، قصة صمود وتحد قلَّ نظيرها، في منطقة أنهكت الحروب والانقسامات والحصار سكانها.

وتنطلق تفاصيل حكاية الأشقاء الثلاثة من حجرة صغيرة تسري الرطوبة في جدرانها ولا يرى قعرها نور الشمس، وفيها يبيتون برفقة أبويهما ومعهم ثلاث شقيقات يصغرنهم سنا، متراصين إلى جانب بعضهم بعضا، وعلى أرضها يأكلون ويدرسون.

لا يكلّ الأطفال اللذين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة من التنقل ما بين السوق ومقاعد الدراسة وحجرتهم الصغيرة، ولا يجدون متنفسا بعد عودتهم من المدرسة أو السوق سوى عتبة حجرتهم والشارع يهربون إليه من لظى الحر، خصوصا في الساعات الأولى من الليل.

شهادات التفوق مصدر فخر للأطفال ووالدهم (الجزيرة نت)

وعلى وضوء إنارة أعمدة كهرباء الشارع -إن توفرت- يعكف الأطفال على مذاكرة دروسهم، حيث لا طاولة ولا كرسي يجلسون عليه لمراجعة دروسهم، ومع ذلك فهم من المتفوقين في دراستهم، فمحمد الصغير حصل على معدل 99%، بينما أوسطهم نضال حصل على 90%، أما حسن فتراجع تقديره هذا العام إلى 71%، بعد أن كان معدله يتراوح ما بين 85% و90%.

ويخشى الوالد على مستقبل أطفاله التعليمي في ظل استمرار عملهم في السوق وعجزه عن توفير مكان مناسب لسكن أسرته، وغياب أي أفق لحصوله على فرصة عمل في أي مجال كان.

وبكلمات يعتصرها ألم الحزن على حال أطفاله، يقول الوالد وائل مقداد "يؤلمني كثيرا عمل أبنائي بأجر زهيد، ولكن ماذا عسى أن أفعل، فعملهم في هذا المجال لا يمكن أن يقوم به سواهم، لأن النساء والرجال في غزة لا يرغبون أن يرافقهم كبار السن أمثالي أثناء تسوقهم".

ويشكو الرجل -ذو الملامح الخمسينية بينما هو في منتصف العقد الثالث من عمره- من سوء نوم أفراد عائلته في حجرة لا تتجاوز مساحتها 15 مترا مربعا، تشغل خزانة الملابس حيزا لا بأس به منها.

ويعاني الأب وأسرته من صعوبة نوم الجميع في حجرة واحدة أشبه بزنزانة السجن، وحتى هو عندما ينام فإن قدماه تمتدان إلى مدخل الحمام الملاصق للحجرة.

ووفقا لإفادة مقداد للجزيرة نت، فإن الحجرة هي جزء من منزل والده الذي بناه بعد لجوئه إلى قطاع غزة عام 1948، وتمكن -في محاولة لجعلها ملائمة للعيش- من اقتطاع  نحو متر من الشارع الملاصق، ليضع فيه أدوات الطبخ وصنبورا للماء وموقدا صغير للطبخ.

عائلة مقداد تسكن غرفة واحدة في ظل ظروف معيشية قاسية (الجزيرة نت)

ويطرق حال الأسرة البائس وما يلفها من تعقيدات معيشية قاسية باب التساؤل عن كيفية مواءمة الأطفال الثلاثة بين عملهم وتفوقهم في دراستهم، في ظل انعدام أدنى مقومات التقدم بل النجاح.

ويحمل حديث الابن الأوسط نضال للجزيرة نت سر إصرار الإخوة الثلاثة على تحدي الظروف ومحاولة تطويعها، بقوله "إن الوالدة لا تكل من مساعدتنا في دراستنا، وتحاول تذليل كل العقبات عبر حثنا على التحلي بالصبر والأمل في تغير ظروف حياتنا".

ويعلق الأكاديمي المختص في الشأن الاقتصادي معين رجب على الحال الذي وصلت إليه أسرة مقداد وغيرها من الأسر الفلسطينية بغزة، بقوله إن تعرض قطاع غزة خلال العقد الأخير للحصار والحروب والانقسام الداخلي قاد إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية نتيجة توقف القطاعات الإنتاجية الحيوية المهمة.

وأكد رجب للجزيرة نت أن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد النيل من أركان اقتصاد غزة في الحرب والسلم كي لا تقوم لأهله قائمة، لافتا إلى أن إسرائيل تسمح حاليا بإعادة بناء ما دمرته من منازل، وتحول في الوقت ذاته دون السماح بتطوير بنى الاقتصاد في غزة، خصوصا في المجالين الصناعي والزراعي.

المصدر : الجزيرة