مشاعر الألم والأسى تتعاظم لدى الأم مليكة حينما ترى أن وليدها مروان يتقاسم معها المعاناة يوميا دون جريرة أو ذنب ارتكبه، وهي ترفض أي تهمة بأنها تستغل الطفل من أجل كسب استعطاف الناس.

ياسين بودهان-الجزائر

في شارع العقيد عميروش أحد أهم شوارع العاصمة الجزائر، تجلس مليكة وفي حجرها طفل صغير، وأمامها صحن صغير فيه دنانير جاد بها محسنون، قد تكفي وقد لا تكفي لسد رمقها وجوع طفلها، بعد أن وجدت نفسها في الشارع دون معيل.

تقول مليكة إنها باتت أمًّا عازبة، ووجدت نفسها في الشارع بعد أن كانت ضحية نزوة عابرة انتهت بحمل غير شرعي، وتملص منها حبيبها السابق، كما تبرأت منها عائلتها.

مشاعر الألم والأسى تتعاظم لدى الأم مليكة حينما ترى أن وليدها مروان يتقاسم معها المعاناة يوميا دون جريرة أو ذنب ارتكبه، وهي ترفض أي تهمة بأنها تستغل الطفل من أجل كسب استعطاف الناس.

وتقول ردا على تلك الاتهامات "ما الحل؟ ليست لدي عائلة أو بيت أترك فيه ابني". لكنها اعترفت بوجود بعض المتسولات يقمن باستغلال الأطفال في التسول، وكشفت عن وجود شبكات متخصصة في إيجار أطفال العائلات الفقيرة مقابل مبالغ تصل إلى عشرين دولار في اليوم الواحد.

ولأول مرة جرّم قانون العقوبات المعدّل في 2014 ظاهرة التسول بالأطفال، وعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى عامين كل من يرتكب جرم التسول بقاصر أو يعرضه للتسول، وتتضاعف العقوبة إذا كان مرتكب الجرم من أصول الطفل أو شخص يمتلك سلطة عليه، بينما يعفي القانون أصحاب الوضعيات الاجتماعية الصعبة والمعقدة من العقوبة.

كما أن قانون الطفل الجديد الذي تمت المصادقة عليه العام الماضي، أقر آليات لإبعاد الطفل من حياة التسول باقتراح حلول اجتماعية للظاهرة، من خلال خلق آلية المفوّض الذي يقوم على ضمان تمتع الأطفال بكامل حقوقهم.

متسولات نائمات بجانب أحد المساجد (الجزيرة)

جنسيات متعددة
ورغم إقرار القوانين السابقة، فإن المتجول في الشوارع الجزائرية وفي الساحات العمومية والمسافر عبر الطرق السريعة، يلاحظ قوافل من المتسولين، وخاصة النساء من جنسيات أفريقية عديدة إلى جانب سوريات وجزائريات يحملن أطفالا صغارا ورضعا في درجة حرارة تفوق الأربعين درجة أحيانا، في مشهد يثير الشفقة تارة على حال هؤلاء النسوة، والغضب والاستنكار تارة أخرى لاستغلال أطفال في عمر الزهور في التسول وتعريض حياتهم ومستقبلهم للخطر.

هذا المشهد حرّك وأثار اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان (هيئة تابعة للرئاسة)، والتي وجهت الأسبوع الماضي عبر رئيسها المحامي فاروق قسنطيني دعوة للحكومة من أجل اتخاذ إجراءات قانونية لوضع حد لظاهرة استغلال الأطفال والرضع في التسول عبر الساحات العمومية وأمام المساجد والطرق السريعة.

وكشف قسنطيني للجزيرة نت أن "أشخاصا من مختلف الجنسيات يمدون أيديهم في الطريق، حيث يستغل الأطفال من طرف الكبار في عملية التسول"، مؤكدا أن "هذه الظاهرة تمس بسمعة الجزائر وبالنظام العام". ودعا السلطات العمومية للتدخل بسرعة وبجدية لمحاربة الظاهرة.

عرعار: الأمهات العازبات والهشاشة الاقتصادية للأسرة وراء تفاقم ظاهرة التسول (الجزيرة)

غياب إحصائيات
وفي الوقت الذي أكد فيه رئيس شبكة "ندى" لحقوق الطفل عبد الرحمن عرعار غياب أرقام رسمية تحصي عدد الأطفال المستغلين في التسول في بلاده، اعترف بأن الظاهرة اتسعت رقعتها خاصة بعد توافد قوافل اللاجئين من الدول الأفريقية والعربية التي تشهد انفلاتا أمنيا، محذرا من التداعيات السلبية والخطيرة للظاهرة التي قال إنها "مرتبطة أيضا بالتحولات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع الجزائري خلال العقدين الماضيين".

ومن أهم الأسباب التي ساهمت في انتشار الظاهرة داخل المجتمع الجزائري برأيه، انتشار ظاهرة الأمهات العازبات اللائي وجدن أنفسهن رفقة أطفالهن غير الشرعيين في الشارع، ومن دون مأوى بسبب طردهن من بيت العائلة، إلى جانب اتساع رقعة العائلات الهشة اقتصاديا التي دفعتها الحاجة والفقر إلى استغلال أطفالها في التسول لاستعطاف الناس عليها.

وبينما شدد على أن الفئات السابقة الذكر يمكن احتواؤها اجتماعيا واقتصاديا من خلال توفير الحماية للأمهات العازبات وإيجاد مأوى لهن رفقة أبنائهن، أو عن طريق مساعدة العائلات المحتاجات من خلال برامج الدعم الاجتماعي؛ فإنه أكد أن "الأمر الخطير في القضية يتعلق بالشبكات المنظمة التي تستغل فقر العائلات وتقوم باستغلال اطفالها في التسول مقابل مبلغ من المال يوميا"، هذه الشبكات قال إنها "مرتبطة بشبكات أخرى متخصصة في الترويج للمخدرات والدعارة".

المصدر : الجزيرة