خرج أبناء داريا من مدينتهم حاملين ذكرياتهم وتاركين مقتنياتهم، وهو أمر يبرره الشاب كرم قائلا إنه حرق كل مقتنياته قبل الرحيل، لأن "كل شيء يفقد أهميته مع سقوط مدينة العنب".

علاء الدين عرنوس-ريف دمشق

شريط ذكريات يستحضر مرارة السنوات الأربع، مرّ بخاطر مروى وهي تنهي ترتيبات مغادرة مدينتها داريّا دون أمل قريب بالعودة، فالشابة ذات التسعة عشر ربيعا لم تعد تملك خيارا سوى أن ترحل مع الناجين من القصف الهمجي الذي تركز على المدينة في المئة يوم الأخيرة.

تقول مروى إنها أصرت على حرق مقتنياتها الشخصية، من صور طفولتها وما تبقى من ملابسها، باستثناء تذكارين مرتبطين بشقيقها الشهيد الذي قتل في المجزرة قبل ثلاثة أعوام.

وتوضح الفتاة الأمر قائلة "لقد خبأتهما في حفرة داخل حديقة المنزل، لعلّ أطفاله يستعيدونها في يوم ما إن كُتبت لنا العودة".

وهي تتحدث للجزيرة نت، تستحضر مروى ذكرى المجزرة وقد اغرورقت عيناها بالدموع، "من الصعب أن نخلي المدينة في ذكرى يوم مجزرة شنيعة قتل فيها الكثير من أحبتنا وأقاربنا، بمن فيهم أخي وخطيبي".

وتحدثت مروى عن الذكريات المؤلمة للحياة تحت القصف أربع سنوات، وتقول إنها كباقي المدنيين باتت تعاني من أمراض مرتبطة بسوء التغذية والتلوث، فضلا عن اعتقادها أنها بحاجة لوقت طويل من الراحة قبل أن تتجاوز ما مرت به خلال سنوات.

أهالي داريا اضطروا لمغادرتها بعد سنوات من قصف قوات نظام بشار الأسد (الجزيرة)

لكن الفتاة تتحدث أيضا عن الإصرار والأمل، عندما تشير إلى أن والدها حمل في حقيبته عودا من عريشة العنب الذي طالما اشتهرت به داريا، آملا بزراعتها في موطن جديد.

ووفقا لشهادات نساء أخريات تحدثن للجزيرة نت، فإن قوات النظام استهدفت بكثافة بيوت المدنيين، وأصابت الأطفال والنساء بالرعب الدائم، حيث تشير إحداهن إلى أن طفلتيها أصبحتا تعانيان من حالة خوف كلما سمعتا صوت الطائرة الذي يعني لهما اقتراب القصف بالبراميل المتفجرة.

مصير مجهول
الشباب أيضا لديه ذكريات ماض ومخاوف مستقبل، حيث تحدث الثلاثيني عامر للجزيرة نت عن بيته الذي استمات من أجل الدفاع عنه، ثم اضطر في النهاية لمغادرة مدينته وهو لا يحمل إلا حقيبة، متسائلا كيف سيمكنه هو وأقرانه البدء من جديد بعد الخروج من حرب أفقدتهم كل شيء.

وأردف عامر "رغم القصف كنا نقطن بيوتنا، لكن من اليوم فصاعدا سنعامل كلاجئين، وسنعيش حياة غير مستقرة في مواطن اللجوء"، ويضيف مستدركا "حتى أولئك الذين استقبلتهم مراكز الإيواء بدمشق لن يصمدوا طويلا أمام انتهاكات النظام لحقوقهم، سيسعون لمغادرة سوريا طالما أن حقوقهم منتهكة".

شباب داريا غادروها حاملين ذكريات الماضي ومتسائلين عن المستقبل (الجزيرة)

الطريق إلى إدلب
أما كرم الشامي -أحد ناشطي داريا البارزين- فتحدث عن رحلته الطويلة إلى إدلب، قائلا "لم أغادر داريا منذ خمس سنوات، ومرت رحلتنا بأغلب المدن السورية خلال 25 ساعة من السفر، كان العالم خارج داريا مختلفا، والناس تنظر إلينا بشيء من الذهول".

ويضيف كرم قائلا إن "عناصر النظام المرافقين للقافلة وصفونا بالإرهابيين، وهم ينظرون إلينا بشماتة وحذر، فوفقا لوجهة نظرهم البراميل والنابالم التي يقصفون بها أبناء وطنهم تصنع انتصارا".

كرم الذي لم يحمل شيئا من مقتنياته، فضّل حرقها كما هو حال مروى وآخرين ممن شرعوا في إخلاء المدينة، واكتفى معلقا "يفقد كل شيء أهميته مع سقوط مدينة العنب".

ونبّه كرم إلى خشيته من عمليات احتجاز للعائلات التي توجهت إلى مراكز الإيواء في دمشق، مشيرا إلى أن الناشطين تلقوا معلومات عن احتجاز مؤقت لشخصين في مأوى حرجلّة قبل أن يطلق سراحهما بعد ساعات من التحقيق.

ويسعى كرم للم شمل عائلته التي تشتت بين تركيا ومصر وأوروبا على مدى أربع سنوات، وبغصة واضحة يعلق قائلا: "علينا أن نرمم ما كسرته هذه الحرب، لكن لن يستطيع أحد للأسف أن يعيد شهداءنا".

المصدر : الجزيرة